<> الادب العربي

الادب العربي

الموشحات الاندلسیة

الموشحات الاندلسیة

 

الموشح فن شعری مستحدث، یختلف عن ضروب الشعر الغنائی العربی فی امور عدة، وذلک بالتزامه بقواعد معینة فی التقنیة، وبخروجه غالبا على الاعاریض الخلیلیلة، وباستعماله اللغة الدارجة أو العجمیة فی خرجته، ثم باتصاله القوی بالغناء. ومن الملفت ان المصادر التی تناولت تاریخ الادب العربی لم تقدم تعریفا شاملا للموشح، واکتفت بالإشارة الیه إشارة عابرة، حتى ان البعض منها تحاشى تناوله معتذرا عن ذلک بأسباب مختلفة. فابن بسام الشنترینی، لا یذکر عن هذا الفن خلا عبارات متناثرة، أوردها فی کتابه "الذخیرة فی محاسن اهل الجزیرة، واشار إلى انه لن یتعرض للموشحات لان اوزانها خارجة عن غرض الدیوان، لا اکثرها على غیر اعاریض اشعار العرب. اما ابن سناء الملک فیقول: "الموشح کلام منظوم على وزن مخصوص".

موشح أو موشحة أو توشیح، وتجمع على موشحات أو تواشیح من وشح بمعنى زین أو حسن أو رصع.

 

تعریف الموشح

الموشح فن شعری مستحدث یختلف عن ضروب الشعر الغنائی العربی فی امور عدة وذلک للاتزامه بقواعد معینة فی التقنیة وبخروجه غالبا على الاعاریض الخلیلیة وباستعمال اللغة الدارجة أو العجمیة فی خرجته. و الموشح کلام منظوم على وزن مخصوص بعض شعراء الموشحات أبو حسن علی الضریر المعروف بالحصری وله قصائد عدیدة من بینها (یا لیل الصب) وقد کان من شعراء المعتمد بن عباد ومات فی طنجة.

 

محتویات

١-  مخترع الموشحات

٢- اساس الموشحات

3- تطور الموشحات

4- خصائص الموشحات

5- أغراض شعر الموشحات

6-  تکوین الموشح

 

مخترع الموشحات

وقد کان مخترع الموشحات فی الأندلس شاعرا من شعراء فترة الأمیر عبد الله اسمه مقدم بن معافى القبرى. وقد جاء فی بعض نسخ کتاب الذخیرة لابن بسام أن مخترع الموشحات اسمه محمد بن محمود. والمرجح أن مخترع هذا النوع الشعری هو مقدم بن معافر، وعلى ذلک أکثر الباحثین. على أن بسام لم یجزم حین ذکر هذا الأخیر، وإنما قال: «و أول من صنع هذه الموشحات بأفقنا واخترع طریقتها - فیما یلقى- محمد بن محمود القبرى الضریر». ولعل کون الشاعرین من قبرة جعل ابن بسام یضع اسما محل اسم، فکأنه قد بلغه أن الشاعر القبرى فلانا قد اخترع الموشحات، فذکر محمد بن محمود ونسى اسم مقدم. وقد وردت هذه الموشحة منسوبة إلى هذا الأندلسی فی کثیر من المصادر الموثوق بها مثل جیش التوشیح لابن الخطیب.

 

أساس الموشحات

حین یعود کاتب القصة إلى نفسه لیستمد من مخزون تجاریة لا یستمد من هذا الرصید کل ما یَعِنُّ له، بل ینتقی منه ویختار ما هو لازمٌ لنسیج قصته. فالمواقف والأحداث التی تطالعنا فی إحدى قصصه لیست بالضرورة سلسلةً متصلةَ الحلقات من المواقف والأحداث التی وقعت فی الحیاة على هذا النسق، بل کثیراً ما تکون أشتاتاً من المواقف والأحداث التی مر بها أو عرفها، حتى إذا جاءت عملیة الإبداع الفنی للقصة راح یختار من هذه الأشتات ما یراه لازماً لتکوین نسقٍ خاصٍ منها، له هدفه المحدَّد، وله مغزاه. وقد تکون الواقعة تاریخیةً ویجد نفسه مضطراً إلى الارتباط بها أو بمجملها، ومع ذلک لا یفتأ یستمد من رصیده الخاص من الخبرات ما یکون ملائماً لصیاغة هذه الواقعة صیاغةً جدیدة، تجعل لها مغزى خاصاً.

 

 تطور الموشحات

وقد کانت فترة نشأة الموشحات، کفترة نشأة أی فن، من حیث مشاهدتها لأولى المحاولات التی غالبا ما یعفى علیها الزمن. ومن هنا ولبعد الزمن بتلک الفترة، لم تبق لنا من هذه الموشحات الأولى التی نظمها مقدم وأمثاله أی نماذج. ولکننا نستطیع أن نتصورها موشحات بسیطة الترکیب قلیلة التعقید، تتخذ مجالها من الموضوعات الغنائیة کالخمر والطبیعة والغزل، وتکتب کلها باللغة العربیة، ما عدا الخرجة، التی تکتب باللغة الأندلسیة الشعبیة. کما کانت ترضى بقالبها ولغتها وأغراضها حاجة الأندلسیین حینئذ، وتعکس اختلاط عنصریهما وامتزاج لغتیهما، وشیوع الغناء والموسیقى بینهم. وقد تطورت الموشحات تطورا بعد فترة من نشأتها تطورات عدیدة، وکان من أهمها تطور أصابها فی القرن الخامس الهجری، أیام ملوک الطوائف. ثم تطور آخر بعد ذلک بقلیل فرع عنها ما یسمى بالزجل، حتى أصبح هذا الاتجاه الشعبی ممثلا فی لونین: لون الموشحات، وقد صارت تکتب جمیعا باللغة الفصحى، ولون الأزجال وقد صارت تکتب جمیعا باللغة العامیة. وانتقل هذان اللونان من الأندلس إلى المشرق، فکثر فیه الوشاحون والزجالون. وعرفهما کذلک الأدب الأوروبی، فتأثر بهما شعراء جنوب فرنسا المسمون (التروبادور)، کما تأثر بهما کثیرون من الشعراء الأسبان الغنائیین. وانتقل التأثیر إلى الشعر الإیطالی ممثلا فی عدة أنواع، مثل النوع الدینی المسمى(لاودس) والنوع الغنائی المسمى )بالآتا(.

 

خصائص الموشحات

بالإضافة إلى الجمع بین الفصحى والعامیة تمیزت الموشحات بتحریر الوزن والقافیة وتوشیح، أى ترصیع، أبیاتها بفنون صناعة النظم المختلفة من تقابل وتناظر واستعراض أوزان وقوافى جدیدة تکسر ملل القصائد، وتبع ذلک أن تلحینها جاء أیضا مغایرا لتلحین القصیدة، فاللحن ینطوى على تغیرات الهدف منها الإکثار من التشکیل والتلوین، ویمکن تلحین الموشح على أى وزن موسیقى لکن عرفت لها موازین خاصة غیر معتادة فی القصائد وأشکال الغناء الأخرى.

 

أغراض شعر الموشحات

الغزل هو الشائع بین أغراض شعر الموشح، لکن هناک أغراض أخرى تعرض لها من بینها الوصف والمدح والذکریات.

 

تکوین الموشح

یضم الموشح عادة ثلاثة أقسام، دورین وخانة کل منها بلحن مختلف والختام بالخانة الأخیرة غالباً ما یکون قمة اللحن من حیث الاتساع والتنویع مثلما فی موشح لما بدا یتثنى وموشح ملا الکاسات، وقد لا تختلف الخانة الأخیرة ویظل اللحن نفسه فی جمیع مقاطعه کما فی موشح یا شادى الألحان، وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أکثر من مقطع لکل منها شکل وترتیب وتتخذ تسمیات مثل المذهب، الغصن، البیت، البدن، القفل، الخرجة. فن الموشحات الأندلسیة... معلومات مختارة : الموشح ضرب من ضروب الشعر استحدثه المتأخرون بدافع الخروج على نظام القصیدة والثورة على النهج القدیم للقصیدة وانسجاما مع روح الطبیعة الجدیدة فی بلاد الأندلس واندماجا فی تنوع التلحین والغناء.وطریقة نظم الموشح أن تکون ذات اعاریض شتى یجمعها بیت واحد. أما من ناحیة الموضوع والأغراض فالموشح یتضمن عدة مواضیع ویتنوع فی الأغراض لکن الغالب علیه الغزل والمدح ووصف الطبیعة . اخترع فن التوشیح الأندلسی مقدم بن معافی القبری وقلده فی ذلک ابن عبد ربه الأندلسی صاحب کتاب «العقد الفرید» لکنهما لم برعا فی هذا الفن کما برع المتأخرىن عنهم وأول من برع فی الموشحات عبادة القزاز جاء من بعده فلاح الوشاح «فی زمن ملوک الطوائف» وفی عهد الملثمین برع الأعمى التطیلی ،ویحیى بن بقی، وأبو بکر بن باجة وفی عهد الموحدین برز محمد بن أبی الفضل بن شرف وأبو الحکم أحمد بن هر دوس وابن مؤهل وأبو إسحاق الزویلی أما المع الأسماء فی سماء التوشیح أبو بکر بن زهر وأبو الحسن سهل بن مالک الغرناطی ثم جاء من بعدهم ابن حزمون المرسى وأبو الحسن بن فضل الاشبیلی .

 ورئاسة فن التوشیح فهی لأبی عبد الله ابن الخطیب صاحب الموشحة الشهیرة «جادک الغیث» توفى أبو عبد الله سنة 1374 م، شاعر الأندلس والمغرب تولى الوزارة بغرناطة وعرف بذی الوزارتین «الأدب والسیف» وتعتبر موشحة ابن الخطیب من أشهر الموشحات وأغناها بالفکرة والصورة والإحساس والتلوین الکلامی0 الاعتیادیة، ویتکون أغلب الموشح من القفل والبیت، فمنه ما جاء على أوزان العرب کالمخمسات، فیؤتى بخمسة أقسام من وزن وقافیة، ثم بخمسة أخرى من وزن وقافیة أخرى، کقول ابن زهر فی بحر الرمل:

أیها الساقی إلیک المشتکى قد دعونا وإن لم تسمعِ

ومن الموشح ما یدعى باسم المسمطات، کأن یبدأ ببیت مصرع ثم یأتی بأربعة أقسام أو أقل کقول القائل:

غزالٌ هاج بی شجناً فبت مکابداً قرنا

عمید القلب مرتهنا بذکر الهوى والطّربِ

وهناک أیضا المزدوجات من ذوات القافیة المزدوجة فی کل بیت، کقول أبی العتاهیة:

حسبک ما تبتغیه القوت ما أکثر القوت لمن یموت

إن الشباب حجة التصابی روائح الجنة فی الشباب

ومنها ما لا وزن فیها، فکل موشحة مکونة من عناصرها الأساسیة المعهودة، کمطلع الموشح وهو البیت الأول لها، وقد یکون من قسمین أو أکثر وهو القفل الأول. ویلیه باقی الأقفال المتفقة مع بعضها فی وزنها وقوافیها وعدد أجزائها، ثم الغصن وهو کل قسم من أقسام المطلع والأقفال إذ تتساوى الأقفال مع المطلع فی عدد الأغصان وترتیب قوافیها، أما الدّور وهو البیت، فقد یکون بسیطاً مؤلفاً من أجزاء مفردة، کما فی الموشحة:

عَبِثَ الشوق بقلبی فاشتکى

ألم الوجد فلبت أدمُعی

أیها الناس فؤادی شَغِف

وهو فی بَغیِ الهوى لا یُنصِف

کم أداریه ودمعی یکُف

أیها الشادق من علمکا

بسهام اللحظ قتل السبع

وقد یکون مرکباً مؤلفاً من فقرتین أو أکثر، کما فی هذه الأبیات لابن سناء الملک:

کذا یقتاد سَنَا الکوکب الوقّاد

إلى الجلاس مشعشعة الأکواس

أقم عذری فقد آن أن أعکف

على خمر یطوف بها أوطف

کما تدری هشیم الحشا مُخطَف

وآخر قفل فی الموشحة یدعى الخرجة، فقد تکون عامیة أو معربة أو أعجمیة، وهکذا فإننا لا نجد فی معانی الموشحات جِدّةً وعمقاً، فتبدو الموشحة کغادةٍ بالغت فی الزینة واستعمال المساحیق فخسرت الکثیر من جمالها ولکنها على الرغم من ذلک قد استطاعت أن تحافظ على رشاقتها ومشیتها المرقصة، ولَمّا کانت الموشحات قد اخترعت فی سبیل الغناء کان من الطبیعی أن تنظم فی الأغراض التی تناسب هذا الفن کالغزل ووصف الطبیعة، إلا أنها رغم ذلک خاضت ما تبقى من أنواع الشعر کالمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد، ونظرا لطبیعة الأندلس المذهلة الأخاذة، کان کثیر من الشعراء ینجحون فی وصف الطبیعة، ووقع اختیاری على موشح محمد بن عیسى اللخمی، المشهور بابن لبانة یقول :

فی نرجس الأحداق، وسوسن الأجیاد، نبت الهوى مغروس، بین القنا المیاد

وفی نقا الکافور، والمَندلِ الرطب، والهودج المزرور، بالوشى والعَصبِ

قُضبٌ من البِلّور، حُمین بالقُضبِ، نادى بها المهجور، من شدة الحُبِّ

أذابت الأشواق، رُوحی على أجساد، أعارها الطاووس، من ریشه أَبراد

ونظرة خاطفة على موشحة لسان الدین بن الخطیب فی الغزل وذکر الطبیعة ومدح السلطان الغنی بالله:

فی لیالٍ کتمت سر الهوى

بالدجى لولا شموس الغرر

مال نجم الکأس فیها وهوى

مستقیم السیر سعدَ الأثرِ

باعتبار الموشحات فتحا جدیدا فی الأدب العربی فهی تغییر عن نمطٍ واحدٍ من أنماط الشعر، ولا یجب أن نطلب منها أن تکون غذاء الذهن والفکر، بل یکفینا ما تخلقه فی نفوسنا من لذةٍ محببة، وهذا مقطع لابن زمرک فی ذکر الصبوح ومدح سلطانه ابن الأحمر:

مولای یا نکتة الزمان دار بما ترتضی الفلک

جلَّلتَ بالیُمن والأمان کلّ ملیکٍ وما مَلَک

لم یدرِ وصفی ولا عیان أملِکٌ أنت أم مَلَک؟

 نبذة تاریخیة عن الموشحات.

الموشحات الأندلسیة

نبذة تاریخیة عن الموشحات : أجمع مؤرخو الشعر العربی على أن فن الموشحات فن أندلسی خالص، عرف به أبناء الأندلس ومنهم انتقل متأخراً إلى المشرق، وهو من أروع ما خلف الأندلسیون من تراث أدبی.

تعریف الموشحات :

ذکر ابن سناء الملک فی کتابه [ دار الطراز ] معرفاً الموشح فقال : «الموشح کلام منظوم على وزن مخصوص. وهو یتألف فی الأکثر من ستة أقفال وخمسة أبیات ویقال له التام، وفی الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبیات ویقال له الأقرع. فالتام ما ابتدیء فیه بالأقفال، والأقرع ما ابتدیء فیه بالأبیات».

سبب التسمیة :

وقد سمی هذا الفن بالموشح لما فیه من ترصیع وتزیین وتناظر وصنعة فکأنهم شبهوه بوشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر.

بناء الموشح : تختلف الموشحات عن القصائد العربیة من حیث البناء ویتألف الموشح من أجزاء مختلفة یکوّن مجموعها بناء الموشح الکامل، وقد اصطلح النقاد على تسمیة هذه الأجزاء بمصطلحات، وهذه الأجزاء هی :

 -1المطلع 

 2- القفل

 3- الدور

 4- السمط 

 5- الغصن

 ۶- البیت

7- الخرجة

ومن أراد التوسع فی معرفة تلک الأجزاء فعلیه بمطالعة نماذج من الموشحات لیتکون له کأمثلة تطبیقیة، على نحو موشحة(لسان الدین بن الخطیب) التی یقول فی مطلعها : جادک الغیث إذا الغیث همى یــازمــان الـوصل بالأندلـس لــم یـکـن وصلک إلا حـلـمــا فی الکرى أوخلسة المختلس وهی موجودة فی مشارکة مستقلة.

من أشهر الوشاحین الأندلسیین : (عبادة بن ماء السماء، عبادة القزاز، ابن بقی الأعمى التطیلی، لسان الدین بن الخطیب، ابن زمرک ابن سناء الملک، شهاب الدین العزازی، ابن باجة ابن سهل، ،ابن زهر، محیی الدین بن العربی أبو الحسن المرینی).

 


قضیة الانتحال فی الشعر الجاهلی

  بقلم :  أ. د. محمد بلاسی

                                                                                                                                  أکادیمی – خبیر دولی/ جمهوریة مصر العربیة

 یُعدّ ابن سلام الجمحی أوّل من أثار فی إسهاب مشکلة الانتحال فی الشعر الجاهلی فی کتابه : "طبقات فحول الشعراء"، وقد ردّها إلى عاملین : عامل القبائل التی کانت تتزیّد فی شعرها لتتزید فی مناقبها، وعامل

الرواة الوضاعین().

     یقول ابن سلام: "لما راجعت العرب روایة الشعر وذکر أیامها ومآثرها استقلّ بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذکر وقائعهم، وکان قوم قلّت وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أنْ یلحقوا بمن له الوقائع والأشعار ، فقالوا على ألسن شعرائهم ، ثم کانت الرواة بعدُ فزادوا

فی الأشعار"().

     وقد لفتت هذه القضیة ، قضیّة انتحال الشعر الجاهلی أنظار الباحثین المحدثین من العرب والمستشرقین ، وبدأ النظر فیها من المستشرقین نولدکه سنة 1864م ، وتلاه ألوّرْدْ حین نشر دواوین الشعراء الستة الجاهلیین : امرئ القیس والنابغة وزهیر وطرفة وعلقمة وعنترة ، فتشکک فی صحّة الشعر الجاهلی عامة ، منتهیاً إلى أنّ عدداً قلیلاً من قصائد هؤلاء الشعراء یمکن التسلیم بصحته ، مع ملاحظة أنّ شکّاً لا یزال یلازم هذه

القصائد الصحیحة فی ترتیب أبیاتها وألفاظ کلّ منها() .

     إلا أنّ مرجلیوث یعدّ أکبر من أثاروا هذه القضیة فی کتاباته ؛ إذْ کتب فیها مقالاً مفصلاً نشره فی مجلة الجمعیة الملکیة الآسیویة بعدد یولیة سنة 1925م ، جعل عنوانه : (أصول الشعر العربی : The Origins of Arabic Poetry) .

     ومن أبرز ما أثار مرجلیوث فی مقاله المذکور من زعم قوله : لو أنّ هذا الشعر صحیح لمثّل لنا لهجات القبائل المتعدّدة فی الجاهلیة کما مثل لنا الاختلافات بین لغة القبائل الشمالیة العدنانیة واللغة الحمیریة فی الجنوب .

     ولقد ردّ علیه الدکتور شوقی ضیف مدحضاً زعمه ، قائلاً : إنّ لغة القرآن الفصحى کانت سائدةً فی الجاهلیة وأنّ الشعراء منذ فاتحة هذا العصر کانوا ینظمون بها وأنها کانت لهجة قریش ، وسادت بأسباب دینیة واقتصادیة وسیاسیة ؛ فکان الشعراء ینظمون بها متخلین عن لهجاتهم المحلیة على نحو ما یصنع شعراء العرب

فی عصرنا على اختلاف لهجات بلدانهم وأقالیمهم () .

     هذا ؛ ومن بین مزاعم مرجلیوث فی هذا الموضوع: أنّ النقوش المکتشفة للممالک الجاهلیة المتحضرة وخاصة الیمنیة لا تدل على وجود أیّ نشاط شعری فیها ، فکیف أتیح لبدو غیر متحضرین أنْ ینظموا هذا الشعر بینما لم ینظمه من تحضروا من أهل هذه الممالک ؟

     ودحض بروینلش هذا الدلیل ؛ لأنّ نظم الشعر لا یرتبط بالحضارة ولا بالثقافة والظروف الاجتماعیة ، وهناک فطریون أو بدائیون لهم شعر کثیر مثل الإسکیمو().

     وإذا ترکنا المستشرقین إلى العرب المحدثین والمعاصرین وجدنا أدیب العربیة مصطفى صادق الرافعی یعرض هذه القضیة : قضیة الانتحال فی الشعر الجاهلی عرضاً مفصّلاً فی کتابه : "تاریخ آداب العرب" الذی نشره فی سنة 1911م ، ولکنه لا یتجاوز فی عرضه - غالباً سرد ما لاحظه القدماء .

     وخلف مصطفى صادق الرافعی الدکتور طه حسین فدرس القضیّة دراسة مستفیضة فی کتابه : "الشعر الجاهلی" الذی أحدث به رجّة عنیفة أثارت کثیرین من المحافظین والباحثین فتصدوا للردّ علیه. ولم یلبث أنْ ألّف مصنفه: "فی الأدب الجاهلی" الذی نشره فی سنة 1927م ، وفیه بسط القول فی القضیة بسطاً أکثر سعة وتفصیلاً () .

     ونتیجة بحثه فی هذا الکتاب یلخصها بقوله: "إنّ الکثرة المطلقة ممّا نسمیه أدباً جاهلیّاً لیست من الجاهلیة فی شیء ، وإنما هی منتحلة بعد ظهور الإسلام ، فهی إسلامیة تمثل حیاة المسلمین ومیولهم وأهواءهم أکثر مما تمثّل حیاة الجاهلیین . وأکاد أشک فی أنّ ما بقی من الأدب الجاهلی الصحیح قلیل جدّاً ، لا یمثل شیئاً ولا یدل على شیء ، ولا ینبغی الاعتماد علیه فی استخراج الصورة الأدبیة الصحیحة لهذا العصر الجاهلی"() .

     ومضى طه حسین یبسط الأسباب التی تدفع الباحث إلى الشک فی الأدب الجاهلی واتهامه ، وردّها إلى أنّه لا یصور حیاة الجاهلیین الدینیّة والعقلیة والسیاسیّة والاقتصادیة ، کما أنه لا یصوّر لغتهم وما کان فیها من اختلاف اللهجات ، وتباینها بلهجاتها من اللغة الحمیریة.

     یقول الدکتور شوقی ضیف معقباً: "والحق أنّ الشعر الجاهلی فیه موضوع کثیر ، غیر أنّ ذلک لم یکن غائباً عن القدماء ، فقد عرضوه على نقد شدید ، تناولوا به رواته من جهة، وصیغه وألفاظه من جهة ثانیة. أو بعبارة أخرى عرضوه على نقد داخلی وخارجی دقیق . ومعنى ذلک أنهم أحاطوه بسیاج محکم من التحری والتثبت ، فکان ینبغی أن لا یبالغ المحدثون من أمثال مرجلیوث وطه حسین فی الشک فیه مبالغة تنتهی إلى رفضه ، إنّما نشک حقّاً فیما یشک فیه القدماء ونرفضه ، أما ما وثقوه ورواه أثباتهم من مثل أبی عمرو بن العلاء والمفضل الضبّی والأصمعی وأبی زید فحریٌّ أنْ نقبله ما داموا قد أجمعوا على صحته. ومع ذلک ینبغی أنْ نخضعه للامتحان وأنْ نرفض بعض ما رووه على أسس علمیّة منهجیة لا لمجرّد الظن ، کأنْ یُرْوَى لشاعر شعرٌ لا یتصل بظروفه التاریخیة ، أو تجری فیه أسماء مواضع بعیدة عن موطن قبیلته، أو یضاف إلیه شعر إسلامی النزعة ، ونحو ذلک مما یجعلنا نلمس الوضع لمساً"() .

     ونقول نحن : لو قارنّا بین ما أثاره طه حسین وبعض المستشرقین أمثال مرجلیوث ونولدکه ؛ لوجدنا أنّ هناک تقارباً بل اتفاقاً ملحوظاً ؛ وهذا مما یؤکّد لنا أنّ کلام طه حسین هو کلام هؤلاء المستشرقین إنْ لم یکن قد تشبع به بفضل دراسته على أیدیهم وتتلمذه على کتبهم وأبحاثهم فضلاً عن ترجمته لکلامهم ونقله إلینا بلسانه العربیّ المبین ؟!!

     وخطورة الأمر: أنّ هؤلاء المستشرقین وأذنابهم حین أثاروا هذه القضیّة کانوا یرمون إلى مرمى خبیث ؛ حیث عرفوا مکانة الشعر الجاهلی ، وأدرکوا أنّ علماء المسلمین منذ الصدر الأول للإسلام قد شعروا بحاجتهم إلى الشعر العربیّ ؛ للاستعانة به فی فتح مغالیق الألفاظ والأسالیب الغریبة الموجودة فی القرآن الکریم ، والأحادیث النبویة الشریفة ؛ فأکبوا علیه یروونه ویحفظونه ویدرسون أسالیبه ومعانیه وما یدور فیه من ذکر لأیام العرب ووقائعهم . ولولا هذا الباعث الدینی ؛ لاندثر الشعر الجاهلی، ولم یصل إلینا منه شیء () .

     یقرّر هذه الحقیقة أبو حاتم الرازی ؛ فیقول: "ولولا ما بالناس من حاجة إلى معرفة لغة العرب ، والاستعانة بالشعر على العلم بغریب القرآن ، وأحادیث رسول الله – صلى الله علیه وسلم - ، والصحابة والتابعین ، والأئمة الماضین ؛ لبطل الشعر ، وانقرض ذکر الشعراء ، ولعضَّ الدهر على آثارهم ، ونسی الناس أیامهم" () .

     ویقول ابن عباس - رضی الله عنه - : "إذا سألتمونی عن غریب القرآن ، فالتمسوه فی الشعر ؛ فإن الشعر دیوان العرب" () .

     من هنا ؛ أدرک المستشرقون هذه الحقیقة ؛ فعملوا على رفضه ؛ حتى یغلقوا علینا باباً من أهم الأبواب لفهم کتاب الله المجید !



(1) العصر الجاهلی : للدکتور شوقی ضیف ، ص 164 ، الطبعة الثامنة ـ دار المعارف ، د. ت .

(2) طبقات فحول الشعراء: لابن سلام الجمحی (ت231هـ)، تحقیق محمود محمد شاکر، ص39، ط. دار المعارف، د.ت.

(3) العصر الجاهلی : ص 166 .

(4) المرجع السابق : ص 167 .

(5) نفس المرجع : ص 167 .

(6) المرجع السابق : ص 170 .

(7) فی الأدب الجاهلی : طه حسین ، ص 64 ، الطبعة الرابعة ـ دار المعارف .

(8) العصر الجاهلی : ص 175 .

(9)  فصول فی فقه العربیة: د. رمضان عبد التواب ، ص 111، الطبعة السادسة ـ الخانجی بالقاهرة ، سنة 1420هـ .

(10) کتاب الزینة : لأبی حاتم الرازی ، تحقیق حسین الهمدانی ، 1/160 ، القاهرة 1957 ، 1958م .

(11) الإتقان فی علوم القرآن : لجلال الدین السیوطی ، 1/119، القاهرة سنة 1368هـ .


أحمد شاملو رائد قصیدة النثر

أحمد شاملو رائد قصیدة النثر فی الشعر الإیرانی الحدیث

  

کمال سلمان / مرّ الشعر الإیرانی مثل نظیره من الشعر غیر الأوربی بمرحلة اتجهت فیه نحو التخلص من هُویة الموروث ، فهو حالیاً یعتمد نمطاً یوازی به (قصیدة النثر) الموجودة فی العالم، أو تیک التی تستخدم عند أغلب الشعراء العرب، بخاصة شعراء المهجر . ویطلق على هذا الشعر فی إیران تسمیة : (شعر سبید، تُقرأ الباء :P ). ویسمّیه الناقد الأکادیمی سروش شمیسا بـ : (شعر موج) ویدافع عن هذه التسمیة ـ مع العلم أنه من أشدّ النقّاد له ـ وقد دعا الشعراء فی أکثر من مرّة إلى التمسک بقواعد الشعر الموروث مع محاولة التطویر ، کما فهمنا من کتابه (سبک شناسی شعر) . وترجمة : ( شعر سبید ) الحرفیة هی : الشعر الأبیض . ونحن من أجل التقریب بین التسمیات الموضوعة لمسمّىً واحدٍ ، وکذاک بغیة خلق الأنس لدى الذهن ، یمکننا أن نطلق على : (شعر سبید) تسمیه : (قصیدة النثر الإیرانیة) فی ضوء الدقة ؛ وذلک لأنها تتمتع بخصائص قصیدة النثر تماماً من حیث المادة والصورة والقالب ـ کما هو واضح ـ ثم من منطلقنا الفلسفی الذی نتبناه فی المجال الثقافی العام نرجح تسمیة :(قصیدة النثر الإیرانیة) وسنترک استخدام مصطلح : (شعر سبید) أحیاناً للشعراء الإیرانیین یستخدمونه بینهم ، إذاً : لا غرابة إذا استخدمنا التسمیة الثانیة على هذا النمط من الشعر.

ویعود تاریخ هذا الشعر بالتحدید إلى تیک الفترة التی انطلق فیها الشعراء الإیرانیون یتابعون ثلّة من شعراء حرکة الإبداع فی العالم کـ : جون بیرس.. حیث رمى الشاعر فی نصوصه الحدیثة الوزن والقافیة إلى حظیرة المورث واعتمد على موسیقى اللغة وعناصر البلاغة أو الأسلوبیة.. ویرى بعض نقاد الإیرانیین أن هذا الشعر ( شعر سبید ) انطلق فی الساحة ـ للمرة الأولى ـ بواسطة جهود الشاعر الراحل أحمد شاملو ، إلاّ أن ثمّة ملاحظات تقدم فی هذا الجانب ، وهی فی أن هناک خطأ بیّن قد حصل فی إطلاق التسمیة على هذا الشعر ؛ وذلک لأن أحمد شاملو قرأ نماذج من : Blank Versre وهذا الشعر لا یکون خال من عنصر الوزن والقافیة بالتمام ، ویعتمد على عنصر التفعیلة کأساس ـ کما فی بدایة حرکة الشعر الحرّ أو المسمى بالتفعیلی ـ ولکن لا یلتزم الشاعر بالقافیة فی الأعمّ الأغلب ؛ بینما شاملو قدّم قصائد نثریة قفز بها کثیراً حیث لا قافیة ولا وزن.. وصارت على وتیرة تیک التی تسمّى فی أمریکا بـ : Free Verse وفی فرنسا بـ Verse libre ومن هذا المنطلق صارت لدى شاملو قفزة دون أی عمد أو تنظیر أبعدته خارج ما فهمه.. ولمّا کان هذا الشعر غیر معهود فی ذهنه ، فخَلطَ بین الشعرین وقدم نتاجه الشعری الذی خال من الوزن والقافیة باسم (شعر سبید) قاصداً : Blank Versre ، ضاناً انه طلیق من کل شرط ، وهو فی الحقیقة یسیر على مسار : Verse libre أو Free Verse . والذی وقع بهذا الخلط هو الشاعر الکبیر أحمد شاملو نفسه . ومن هذا المنطلق وجد النقاد لا علقة بین الاسم والمسمى.. وان ثمة خطر على الشعر الإیرانی حیث الشاعر ذا ما افرز حینها بین نتاجین من الشعر! وصار هذا المورد سبباً لنقد أحمد شاملو! وهذا صحیح یمکن قبوله لان Blank Versre هو أول شعر تطلع علیه الشعراء الإیرانیون . ومجمل القول : لو کان الشاملو یقصد Free Verse ربما لم یسمِ الشعر بـ (شعر سبید) وکل ما هناک أن الشاعر أخطأ فی وضع التسمیة . ومن جهة تصورنا أن هذا الکلام لا یمکن الاحتجاج به لهشاشة المورد ؛ لنفترض أنه علم وسمى.. ، ما المانع من ذلک ؟ وهل تسمیة سروش شمیسا (شعر موج) جاءت تتطابق مع الاسم الأوربی ؟ کلام لا یخفی وراءه أی جدوى .

وعلاوة على الومضة التی قدمناها حول وقوف شاملو فی صعید الریادة والإبداع.. ثمّة شبیهُ إشکالٍ أیضاً یعترضنا فی تثبیت هذا الوجه من الکلام ، یسرده البعض. ویرى هؤلاء أنّ شاملو لیس هو الرائد لقصیدة النثر الإیرانیة کما یقال عنه ، وهذا یذکرنا بحدیث الراحلة نازک الملائک إذ تعتبر ما قبل میلاد الشعر التفعیلی إرهاصات ولیس إبداعاً ، وتعنی بذلک بعض المحاولات التی جرت فی عصر الانحطاطی الذی أبداع فیه شعراء الحـویزة : (شعر البند) ـ أعنی بالشعراء : الشاعر العراقی الحـویزی الأصل ابن معتـوق الحـویزی 11 هـ. ویذکر أن هذا الشعر انطلق من الحـویزة إلى العراق والبحرین والحجاز و.. ـ فهنا نجد الأخذ والرد فی انتساب الإبداع هو نفسه الذی یوجد فی الحدیث عن منطلق الشعر التفعیلی الذی تجاوزناه بکثیر من الخطوات إلى قصیدة النثر . وفی هذا یقول محمد شفیعی کدکنی ـ شاعر کبیر على غرار یوسف سعدی وعلی الجندی ـ : « لا یُعدّ شعر شاملو هو المنطلق الأول فی هذا الجانب ، وإنّما قبله جهود کثیرة بذلت حتى توصّل إلى ما هو علیه » . وهنا یمکن أن نرّد ـ من حیث وجه اشتراک الموضوع فی الآداب والفنون عند الشعوب.. ـ على أن هذا الرأی غیر صائب ؛ وذلک لما ساد من تصور فی الأذهان حول مفهوم الإبداع . یتصور البعض أن الإبداع ـ بکل أنماطه ـ یجب أن یأتی من العدم ـ کما یقال فلسفیاً ـ .. وفی الحقیقة إن مفهوم الإبداع أمر مشکک لا ینطبق على النصوص والنظریات فی الأدب والفن.. بالنسبة الواحدة ویمکن أن یوجد فی موارد نتصور أن الانتزاع الأدبی والتألیفی هما الأهم فی هذا المجال.. وعلى فرض أن هناک جهود کانت قبل ُ، هذا لا یعنی شیئاً کثیراً یمکنه أن یخدش بصورة الإبداع الذی لم یکن سائداً بالأمس .

تَحِلُّ تجربة الشاعر أحمد شاملو فی :(قصیدة النثر الإیرانیة) المرتبة الثانیة فی الشعر الإیرانی الحدیث بصورة عامة ، ولکن إذا حاولنا ملاحظتها من حیث الطول الأفقی للإبداع ، فلاشک هی التجربة الأولى من نوعها . والتجربة الأولى التی لم یعهد بها الشعر الإیرانی ـ بالمرة الواحدة ـ کانت بید رائد الشعر التفعیلی : نیما یُوشیج ، المبدع الذی خرج على الأوزان العروضیة التقلیدیة فی إنشاد الشعر ، واعتمد فی شعره على الوزن الحرّ أو طلیق Free Verse ، وترک هذاک الوزن المقید بسمة السداسی والرباعی.. وراءه لیلتحق بشعر الخیام الفیلسوف ، والکنجی الحکیم ، وأبی الخیر الصوفی ، والسعدی الشیرازی.. وقد عرف شعر نیما یُوشیج بعده بـ : ( شعر نیمائی ) .

وبعد رحیل نیما یُوشیج خلت الساحة لیدخلها جیل آخر من الشعراء ، ولما وصل الدور إلى شاملو ـ وقد عایش تجربة هذا الشاعر ـ حاول أن یضیف علیها من تجارب الشعراء الأمریکیین والأوربیین ، بعد إذ بسط الشعر النیموی مِظلّته لفترة طویلة تقرب من أربعین عاماً على مخیلة الشعراء الإیرانیین بصورة عامة .

لقد أراد شاملو أن یجعل الشعر طلیقاً من کل قید موروث ـ حتى التفعیلة ـ ساعیاً لتقریبه من الشعر العالمی الحدیث ، وکان یهدف فی هذا أیضاً إکمال مسیرة الإبداع التی بدأ بها المبدع نیما یوشیج ؛ ومن هذا المنطلق یحدثنا قائلاً : « شعرنا [الإیرانی] الیوم هو مَدین لشعراء فترة الأربعینات حتى الستینات من شعراء العالم ـ وکذاک لغات الشعوب أیضاً ـ منهم : بول ألوار ولورکا روبیر دسنوس ونیرودا وسنغور ومیشو.. فهؤلاء هم الذین أطلعونا على خبایا ومستویات هذا الشعر ، وأراحونا من سیاج القافیة والوزن وقالب الشعر العمودی ، وتجربة نیما یوشیج فی الحقیقة ـ وإن کان هو الرائد الأول فی هذا النطاق ـ لم تعدُ مرحلة الاختلاج ، إلا أن نداءاته المتتالیة أیقظتنا من النوم العمیق.. » .

وفی ضوء هذا الإبداع النیموی الجدید انطلق شاملو واضعاً شعره على التجربة نفسها فی مجموعته الشعریة :( هوای تازه = الهواء النقی ). ولم یکتفِ بهذا القدر من الإبداع ، وإنما بدأ یقرأ لکبار شعراء العالم ـ بمختلف لغاتهم ـ وکرّس لقراءة المجلات الشعریة التی تصدر فی فرنسا ، وتعرّف على : لورکا وجون بیرس.. ویصرح هو نفسُهُ أن منطلق شعره الحدیث یعود إلى متابعته الدؤوبة لنتاج الشاعر الفرنسی : بول ألوار . یقول فی هذا المورد : « کدت أن أصاب بالتزمت فی معایشتی للتجربة النیمویة ، وفجأة وجدت بول ألوار ، وعِبره استکشفت صمیم الشعر الأصیل.. » .

لقد حاول شاملو أن یتخلص من الشعر الموروث والنیموی بالمرّة الواحدة ؛ ولذلک یعبّر عن البحور المورثة بـ : قلقلة اللسان . یقول فی هذا : « أنا لا أعتقد على الإطلاق بوجود الوزن کعنصر ذاتی فی صمیم الشعر ، وإننی أعتقد أن الوزن یسبب فی تکوین الرکاکة عند خیال الشاعر ؛ لأنه یسمح لمجموعة من المفردات بالدخول ، ویغلق الباب بوجه آخر ، وقد تکون هذا المفردات التی لم یسمح لها الدخول هی جزء من الإبداع المغیّب فی نص الشاعر . ومجمل القول : أنا أرى الوزن یقلّص من خیال الشاعر ، ویکوّن انحرافاً فی المضی الطبیعی للشعر.. » .

یواجه الشعر الفارسی بصورة عامة الیوم أزمة ناجمة من شدّة التشابه بین الکلام الاعتیادی وبین ما یطلق علیه بـ (قصیدة النثر الإیرانیة) ، مما دعا هذا أن ینادی النقاد إلى وضع حدّ معین بین الشعر والنثر خشیة تعمیم الاسم على نمطین من النتاج الأدبی ، فهم یرون أن هذا الشعر فتح الباب بکلا قسمیه لدخول کم هائل من نصوص النثریة باسم : (قصیدة النثر الإیرانیة) ؛ ولذلک یقدّمون شعر أحمد شاملو أبرز تجربة لقصیدة النثر من بین بقیة الشعراء الإیرانیین فی هذه الفترة ، وینادون باتّباعه والسیر على الخطوات التی خطاها فی الوقت الراهن . ومع هذا کله فأن التجربة التی یقدمها شاملو لا تخلو من إخفاق فلیس کل ما قدمه یعد شعراً ، وإنّما ثمّة من شعره ما یمکن عدّه فی سیاق النص النثری . وینفرز هذا فی مجموعاته الشعریة التی قدمها قبل مجموعة : (هوای تازة = الهواء النقی ) ـ وبعض نصوص المجموعة نفسها أیضا ـ ومثل تیک مجموعة: ( باغ آینه = حدیقة المرآة ). وأما نصوصه التی قدمها بعد المجموعتین أفرزت هویتها الخاصة کشعر متمیز حدیث یحمل سمات ( شعر سبید = قصیدة النثر ) .

وخلال قراءتنا لشعره توصلنا إلى أن تجربة شاملو تضع فضاءاً واسعاً للشعر الإیرانی کی یرى عبره نتاج الشعر العالمی الموجود على هذا النمط ، کما هی تجربة ناصعة لقصیدة النثر الإیرانیة وحَرِیة بالاتّباع من غیرها . وشاملو بکل تأکید مبدع وشاعر قدیر ومتمیز جداً ، حیث یمکن اعتباره بالرائد لقصیدة النثر فی الشعر الإیرانی من منطلق الحق ، کما یقال عن سائر الروّاد فی هذا الصعید . ونحاول فی المقالات الآتیة ترجمة بعض من قصائده النثریة .


قصیدة النثر

قصیدة النثر

1

بالرغم من کثرة ما کُتِب عن قصیدة النثر, لا بد من الإشارة إلى أن النصوص النقدیة التی حاولت تناول هذا المصطلح, لم ترقَ إلى مستوى الانغماس الحقیقی مع طبیعة هذا الجنس الأدبی و هویته, فجاءت النصوص النقدیة إما بشکل یأخذ طابع الحماس لهذه التجربة, أو طابع العداء له, من هنا و بسبب هذه الإشکالیات, وجدنا نفسنا مضطرین لبعض التوضیح, لأن مفهوم قصیدة النثر بوحدتیها (مصطلح / معنى) یعتبر من أهم الإشکالیات التی ساقت العدید من الأقلام فی صفحات الأدب العربی الحدیث.

و مع أن هذا النوع الجدید للنسیج الأدبی الذی اقتحم الساحة الشعریة، و فرض هیمنته الفعلیة فی أواخر السبعینیات و أوائل الثمانینیات من القرن المنصرم - بحیث أصبح حتى المعارضون الشرسون لهذا النوع الشعری لا یجدون مصطلحاً لغویاً بدیلاً عن قصیدة النثر ینعتون به هذا الکائن الجدید الذی فرض حضوره بقوة - لکن الجدال مازال عن الهویة التی تمتلکها هذه القصیدة, فالمصطلح بشکله اللغوی جاء ترجمة ل Poetic Prose.

و أجدنی مضطراً لعدم الخوض فی عملیة إثبات لوجود هذا الکائن الأدبی, و الذی لا تخلو مجلة أو کتاب عن الإشارة لهذا الجنس الأدبی الجدید, بنعته کمصطلح متعارف علیه و هو (قصیدة النثر).

لکننا سنحاول الدخول فی تاریخ هذا الجنس الأدبی و طبیعته و هویته.

- لمحة تاریخیة:

مع أواخر القرن التاسع عشر و بدایات القرن العشرین, و مع التطور الهائل الذی تعرضت إلیه البشریة فی العالم, کان لا بد من أن تتفاعل منظومة الثقافة العربیة مع تلک التغیرات التاریخیة, و کان لا بد من إیجاد صیغ معرفیة للدلالة على نتاجات لم تتم صیاغتها ضمن هذه المنظومة, کذلک کان لا بد من إیجاد طریقة للمثاقفة مع الآخر فی ظل ثورة حقیقیة بدأت تقرب المسافات الجغرافیة.

وفی ظل الحرکة الأدبیة الموجودة کجزء من هذه المنظومة الثقافیة, بدأت هذه الحرکة بالانخراط ضمن هذه التغیرات بخطوات تعثریة تارة و جدیة تارة أخرى.

و بدأ القارئ العربی بالاطلاع على منتجات أدبیة بمصطلحات جدیدة فی الساحة الأدبیة العربیة (مسرح – قصة – روایة – و آخرها قصیدة النثر) لکن الملفت للنظر أن الأشکال الأخرى للأدب - عدا قصیدة النثر – لم تلقى التشنج من قبل المتلقی العربی کما لاقاه هذا الجنس الأدبی, و الذی اصطلح فیما بعد على تسمیته بقصیدة النثر, على الرغم من أن تلک الأجناس کانت من الجدة ما تفوق قصیدة النثر کالمسرح مثلاً.

و الأسباب الکامنة لهذا التشنج تعود فی رأینا لما یلی:

1 – الإرث التاریخی الثقافی للمنطقة بشکل عام:

حیث أن تاریخ الثقافة العربیة من الجاهلیة و حتى تاریخ الثورة الثقافیة السابقة الذکر, کان فی أغلبها مستندة على بنیة القصیدة الشعریة الموزونة ذو الشطرین بطریقة أو بأخرى, حتى أنه سمی الشعر بدیوان العرب و کان الشعر یوازی اللغة کقیمة وظیفیة فی نقل الحاضر نحو المستقبل.

مثلاً نجد أن الجوائز الأدبیة و التقریب من الحاکم کان فی جلها تُرصَد لکتّاب الشعر, بینما النثر فی کل أشکاله أعتبر کنمط أدبی من الدرجة الثانیة.

و إن الاقتراب من هذه الذاکرة الکبیرة, و محاولة تطعیمها بما هو جدید, لهو أمر فی غایة الصعوبة, و إننا نعتبر هذا التشنج مبرراً من الناحیة العاطفیة الاجتماعیة, لکن لا یمکن استهجانه من الناحیة الثقافیة المعرفیة, فالمثاقفة أمر لا بد منه, حتى أننا فی هذا العصر نکاد لا نستطیع التعبیر عما نرید بدون الرجوع إلى المصطلحات المعرفیة التی وردتنا من الغرب

2 – قصیدة النثر کانت کغیرها من الأجناس الأدبیة:

لقد جاءت قصیدة النثر فی لحظة بدت و کأنها ثورة على ثورة, فالجدال عن مفهوم قصیدة التفعیلة کان مازال فی بدایاته, جاءت قصیدة النثر و کأنها تعلن نفسها البدیل لکل ما سبق, من هنا کانت الصدمة أکبر من أن تستوعب.

3 - إقحام الدین من قبل بعض الکتاب:

إن بعض المهتمین بهذا المجال قام بإقحام الدین الإسلامی, من خلال المقاربة مع کتاب الله عزّ و جل – القرآن الکریم – على أن البذور الأولى لقصیدة النثر تتجلى فی کتاب الله عزّ و جل, و الفهم الخاطئ لهذه المقاربة. بالإضافة لما شاع عن قصیدة النثر من مفاهیم تتضمن الهدم للإرث التاریخی, و الدین الإسلامی باعتباره الحجر الأساس فی ذلک الإرث الکبیر, تخوف بعض رجالات الدین من أن تطال مساحة الحریة الممنوحة لهذه القصیدة ذلک الإرث.

4 – المعرکة التی حاولت إسناد قصیدة النثر لم تکن معرکة شعریة

إن مدافعی قصیدة النثر فی الأغلب کانوا من الأیدلوجیین و المعارک الناشبة کانت فی أساسها معارک ایدلولجیة بین من یحمل أفکاراً ثوریة ترید إقصاء الماضی و استبعاده من الذاکرة العربیة و بین أیدلوجیات تحاول الإبقاء على التراث و کانت قصیدة النثر الملعب الذی تتم فیه تلک المعارک.

- هویة قصیدة النثر من خلال سرد تاریخی لتطوره 2:

ذهب بعض النقاد إلى إحالة قصیدة النثر کصنف غربی خالص, أتى إلینا فی مطلع القرن الماضی من خلال بعض الرواد المتأثرین بشعراء الحداثة الغربیین, أمثال ت.أس.الیوت الإنکلیزی و رامبو الفرنسی, و اعتبروه دخیلاً على الشعر العربی و یجب استئصاله, کونه یؤدی إلى نسف الذاکرة العربیة, و هدم أسسها المعرفیة.

لکن سنحاول من خلال جولة سریعة تاریخیة دراسة بذور قصیدة النثر فی التراث العربی.

1 – فن المقامات

فن انتشر فی القرن الرابع للهجری, و هو عبارة عن مآلفة بین الشعر و النثر, مستنداً على لغة أدبیة خاصة, تعتمد على النزوع إلى الأطناب و الإکثار من الجمل المترادفة و التزام السجع للحفاظ على التوازن الصوتی الخاص بالمقامة, و أهم من یمثلون هذا العصر: (بن العمید والصاحب بن عباد وبدیع الزمان الهمذانی وأبی عامر بن شهید وأبی بکر الخوارزمی).

و استمر هذا الأسلوب الخاص حتى مطلع القرن الماضی لدى المویلحی، فی (دیث عیسى بن هشام) ولدى أحمد شوقی فی (واق الذهب).

و فن المقامة تنهل من الطرفین النثری و الشعری معاً, فهو فن نثری شعری, و قد أطلق علیه صفة النثر الفنی, ففیه من الإیقاع ما یقارب الشعر, لکنه لا یصله من حیث الوزن و القافیة و الشطرین الذین أحاطوا بمفهوم القصیدة آن ذاک.

2 – النثر الشعری لدى الصوفیین:

کحرکة موازیة لحرکة المقامات الآنفة الذکر ظهرت حرکة أکثر عمقاً و أکثر تعقیداً لکنها مهمشة و ضائعة آن ذاک بسبب المناخ السیاسی السائد حینها, و هی النثر الشعری للصوفیین و نجدها فی طواسین الحلاج، ومواقف النفری، ومخاطباته والإشارات الإلهیة للتوحیدی، حیث نشهد ثورة باللغة على اللغة لتأسیس مشهد جدید، یکشف عن تجارب روحیة هادرة تنزع للتحرر.

3 – النثر الشعری الرومانسی:

ظهرت فی مطلع القرن العشرین تجارب تحاول محاولة جادة فی أن تغرف من الشعر فی أسلوب الکتابة النثریة, و کان أهم من مثل هذه المدرسة (بران خلیل جبران وأمین الریحانی والرافعی، وأحیانا کثیرة لدى المنفلوطی والزیات وطه حسین).

4 – الشعر المنثور:

و هی مرحلة تعتبر کمرحلة نضج للنثر الشعری الرومانسی و امتداداً له, و هنا نجد أن التجربة تقترب کثیراً من قصیدة النثر، لا فی شکله الظاهری فحسب، إنما فی نظامه الإیقاعی الداخلی والخارجی وما یفرضه هذا النظام من هیمنة على البناء النحوی الخاص بشعریة النص، و کبدایة لذلک نجد (قصیدة المساء 1902 لخلیل مطران و مرثیته التی أنشدها فی حفلة تأبین الشیخ إبراهیم الیازجی، بعنوان شعر منثور 1906، وما کتبه أمین الریحانی اعتبارا من سنة 1907، ثم ما کتبه جبران).

5 – بدایات مفهوم قصیدة النثر 3:

تظهر فی جماعة أبوللو فی مصر التی أسست مجلة سمیت بنفس الاسم فی أیلول عام 1932 هذه الجماعة بدأت بتأسیس المفاهیم الأولیة لقصیدة النثر, لکن ما کان یعیب علیهم تأثرهم الأعمى بالقصیدة النثریة التی وفدت من الغرب, و التجارب السریالیة و الدادئیة التی اتخذوا منها نبراساً لتجاربهم.

6 – توطید مفهوم قصیدة النثر:

بدأت التجارب الجادة لبلورة مفهوم قصیدة النثر لدى جماعة شعر فی سوریة (دونیس - أنسی الحاج..إلخ)

حیث أخذت قصیدة النثر تفرض نفسها کجنس أدبی جدید, لها میزاتها و لغتها الشعریة و اصطلاحاتها اللغویة, معتمدین على تجارب من التراث العربی, وأخص بالذکر الشاعر الکبیر أدونیس, حیث نظّر لهذا المفهوم بالإضافة لما کتب.

إذاً

من خلال هذا السرد التاریخی الموجز, لا نجد قصیدة النثر نشازاً, أو ورماً خبیثاً فی جسد الشعر العربی, إنما تطوراً طبیعیاً لما کان فی الماضی, مع مرور بحالات جمود و سکینة, نتیجة الظروف التاریخیة التی تعرضت لها المنطقة بشکل عام, و لیس دخیلاً على الشعر العربی أو غریباً عنه, بل حرکة تجدید و تطویر طبیعیتین لأی منتج أدبی, فهو لم یکن کما المسرح مثلاً, إذ أن الثقافة العربیة لم تسمع بهذا المصطلح قبل قرن و نصف تقریباً.

مفهوم قصیدة النثر:

سنقوم بإیجاز شدید للإحاطة و لو بشکل مختصر بتعریف هذا الجنس الأدبی الذی شکل ثورة فی اللغة على کل المستویات صیاغة و ترکیباً, و فتح آفاقاً جدیدة أمام الکلمة, و ارتأینا لتوضیح هذا المفهوم بالقیام على شرح لبعض المفاهیم و ذلک لفهم وشرح هذا الجنس الأدبی الخاص, و سنقوم فی البدایة بشرح لمفهوم الشعر و شرح مفصل لمفهوم الإیقاع لما فیه من غموض, و علاقته بشکل أو بآخر للمعارک التی نشبت بین الشعراء قدیمهم و حدیثهم.

مفهوم الشعر:

هذه الکلمة التی ربما إلى الآن - بالرغم من التعریفات الکثیرة التی أحاطت بهذا المفهوم الغامض (لسهل الممتنع) - لم یستطع الکتّاب وضع صورة نهائیة لها, و السبب فی رأینا عائد إلى کون الشعر أقرب الفنون إلى اللاشعور, فهو:

أصدق ترجمة لحظیة للاشعور المتدفق فی لحظة انفعالیة أقرب إلى اللاوعی منها إلى الوعی لکن لیس هو الإحساس أو التجربة أو الانفعال بل هو الصیاغة اللغویة النهائیة التی تروض الانفعال للمعنى و الغایة الأساسیة منها إعطاء دفقة شعوریة, مهمتها الأولى إرجاع السکینة للأنا المزدوجة (نا الکاتب و المتلقی) نتیجة تعرض تلک الأنا لحالات قلق متأتیة أصلاً نتیجة وضعها أمام العدم, بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.

و الفرق الجوهری بین أنا الکاتب و المتلقی, هو أنّ الکاتب یتعرف على بقعة القلق الخاصة به قبل هذه الدفقة الشعوریة, بینما لدى المتلقی تأتی بعد استقبال هذه الدفقة.

و بهذا یکون الشعر وسیطاً لنقل القلق بین الکاتب و المتلقی باتجاه واحد و هو (تب متلقی), و یتم ذلک من خلال فهم متبادل للشعور بین الکاتب و المتلقی بأدوات لها قدرة على حمل و إیصال هذه الدفقة الشعوریة.

فالشعر بهذا المعنى هو صورة اللغة الانفعالیة هذا الانفعال الذی یقوم على خلخلة اللغة کی یفتح أمامها فضاء دلالیاً جدید

وإن الأفکار أو الصور الرائجة فی الثقافة التی أنتجت النص، تتحول عن حالة البداهة، والانتظام والنسقیة النثریة التی تکون علیها فی میدان الفکر والمعرفة العامة، إلى حالة الخلخلة والتشکیک أحیانا، فی نظام آخر، هو النظام الشعری

و إذا کان المفکر ینزع نحو المعرفة البدیهیة التی بها یستکشف الحقیقة، فإن الشاعر وهو یؤسس القصیدة فإنه ینزع نحو معرفة تمکنه من تلمس تداعیات الحقیقة، فالأفکار عنده تصبح شکلا من أشکال العمل التخیلی، وهنا لا تضحی البداهة دلیلا على قوة الأفکار کما هو شأن المفکر، یل استجلاء الصورة المتخیلة التی تنصهر بالأفکار المتداعیة هو الدلیل على قوة القصیدة الشعریة

فالشعر هو معرفة الظهور بوصفها اکتشافا لمناطق من الکینونة ما تزال مجهولة

وذهب بودلیر إلى اعتبار "الشعر تجاوزا للواقع العینی، فهو لیس حقیقة کاملة سوى ضمن عالم مغایر وأخروی" (15). ویقول جوزیف جوبیر "إن الشاعر یعرف ما یجهله

فالشعر تساؤل یرید جواباً بینما الفکر و العلم هی أجوبة على تساؤلات مطروحة

و تعتبر اللغة العلمیة مغایرة الغائیة لأنها تجد تأسیسها خارجها، فی حین تعتبر اللغة الشعریة ذاتیة الغائیة لأنها تجد غایتها داخلها

من هنا نجد أن الشعر مرتبط بالذات الفاعلة بالدرجة الأولى (ذات الکاتب و المتلقی), و بالحرکة بالدرجة الثانیة, فهی عبارة عن حرکة ذاتیة, و کما یشیر أدونیس فی أکثر من مناسبة أن الحرکة تعنی التجاوز أی الرفض و الهدم, و الرفض لیس بمعنى العدم, إنما الرفض المبنی على الرؤیا, و الرؤیا هی نوع من الاتحاد بالغیب یخلق صورة جدیدة للعالم أو یخلق العالم من جدید.

و یقول الناقد الفرنسی جان إیف تادیة " الشعر فضاء جدید "

و ربما الأسلوب أو القالب الذی یحمل هذا الانفعال الشعوری هو ما تم الاختلاف حوله, لکن مع الثورة التی سبق ذکرها و التی طالت بنیان اللغة, کان لا بد من توسیع مفهوم الشعر إلى مفهوم أشمل و أوسع من مفهوم الأوزان الخلیلیة, و هذا ما نحن بصدده.

- ما هو الإیقاع؟

هناک بعض الحقائق العلمیة الطبیة أردنا ذکرها کبدایة لشرح هذا المفهوم و هی 4:

حقیقة علمیة طبیة و مفادها " التنبیه المتناوب للتشکیلات الشبکیة الموجودة تحت السریر البصری فی الدماغ, تؤدی إلى زیادة فی إفراز المورفینات الداخلیة, و بالتالی إعطاء حالة استرخاء للجسد البشری, و الاستمرار فی هذا التنبیه یؤدی إلى النوم ".

من الحقائق الطبیة الأخرى " الاختلاف فی الأنماط الشخصیة تعود إلى التنوع الإیقاعی الذی یحیط بالشخصیة لا إلى المورثات "

فأی تنبیه غیر منتظم لا یمکن أن یؤدی فی النهایة إلى تغیرات فیزیولوجیة نفسیة فی الشخص المعرض لتلک التنبیهات.

" الإیقاع بکل أشکاله (لحواسی و اللاحواسی) - الحواسی و الذی یتم استنباطه من خلال الحواس الخمس و اللاحواسی الذی یتم استنباطه من خلال التفکیر – فی النهایة تؤدی إلى نفس التأثیرات فی الدماغ, من خلال إفراز لمادة تسمى بالسیرتونین, و التی تعتبر الوسیط للتنبیهات التی تتم فی البنى الشبکیة لما تحت السریر البصری, و هی ما أشرنا به فی الحقیقة الأولى "

هذه الحقائق الطبیة یمکن لمن یرید الاطلاع علیها الرجوع إلى أی مرجع طبی فی بحث (وار النوم و فیزیولوجیة الدماغ).

من خلال تلک الحقائق یمکن تقسیم الإیقاع إلى حواسی و لا حواسی, و تجاوزاً فی هذه الدراسة سنقوم بتسمیة الأخیر بالإیقاع الادراکی الفکری, و ذلک لأننی من خلال بحثی لم أجد أی مرادفة مناسبة تشیر إلى هذا النوع اللاحواسی و ذلک للتفریق بینهما.

و ندرج فیما یأتی أمثلة واقعیة لتأکید تلک الحقائق.

النشوة التی یصل إلیها المتصوفون فی حلقات الذکر, و التی تأتی بعد حالة إیقاعیة تشترک فیها کلا النوعین (لحواسی و الادراکی الفکری), تتطابق مع نشوة مدمنی المخدرات, و لمن یرید الاطلاع یستطیع أن یقارن بین الأعراض التی تصیب المتصوف فی لحظة التجلی, و الأعراض التی تصیب مدمنی المخدرات فی لحظات الانتشاء, و إن الإیقاع الصوتی لوحده إن حاولنا فصلها فی حلقات الذکر غیر کفیلة بإیصال المتصوف إلى تلک الحالة الآنفة الذکر.

التنویم المغناطیسی و هو الوصول إلى حالة من الاسترخاء و النوم نتیجة حالة إیقاعیة یأخذ الإیقاع البصری فیه الأولویة بجانب الإیقاع الادراکی الفکری.

هناک فی الطب ما یسمى بالتخدیر النفسی, و أثبت العلماء أنه یمکن إجراء العملیات من خلال هذا التخدیر, و هو یستند إلى إخضاع المریض لحالات إیقاعیة شدیدة تؤدی فی النهایة من خلال تفعیل حلقة السیرتونین إلى إفراز غزیر للمورفینات الداخلیة و بالتالی إلى التخدیر.

تغیر التأثیرات الإیقاعیة مع تغیر الحالة الفکریة للأشخاص, و قد أثبتته التجارب العملیة بکل فئاتها, فحالة إیقاعیة معینة یمکن لها أن تصل بشخص ما إلى حالة من الاسترخاء, بینما شخص آخر لو تعرض لنفس الحالة الإیقاعیة لن یصل إلى تلک الحالة, و هذا دلیل على تغیر فی التأثیرات الإیقاعیة بین شخص و آخر.

تتغیر المفاهیم الإیقاعیة الصوتیة بتغیر البنیة الإیقاعیة بشکلها الکلی 5 فهی فی تأثیر و تأثر مستمرین, وفی هذه الفقرة ندخل إلى صلب موضوعنا, فالقوانین التی استنبطها الفراهیدی ذات یوم, و التی أعنی بها البحور العروضیة, کانت متأثرة بشدة بالحالة الإیقاعیة التی تحدثها خطوات الجمال.

إذاً

الإیقاع متصل مباشرة بالدماغ عبر قنوات ادراکیة معینة, مهمتها الأساسیة کما أسلفنا السیطرة على الحالات الانفعالیة لدى الکائن البشری, و إن هذا الإیقاع و تأثیره على الدماغ مرتبط مباشرة بالحالة الفکریة المعرفیة لهذا الکائن أو ذاک.

و عندما نعلم أن قشر الدماغ و الذی یقوم بالسیطرة على کل التنبیهات الواردة إلى الدماغ من لجم أو زیادة تفعیل لهذه التنبیهات, و الارتباط المباشر بین القشر الدماغی و عملیات الذاکرة و التعلیم, نعلم مدى الارتباط الوثیق بین التعدیلات التی تتم لمختلف التنبیهات الواردة إلى الدماغ و ذلک بتغیر المخزون الفکری من شخص إلى آخر.

إذاً نحن أمام أمرین اثنین متغیرین, التنبیه و مستقبل هذا التنبیه و هما فی حالة تأثیر و تأثر بالبنیة الإیقاعیة الجمعیة و النتیجة النهائیة لتفاعل الاثنین یعطینا حالة شعوریة ما

بذلک یمکن الإجابة الآن على السؤال المطروح سلفاً و هو ما هو الإیقاع

1 – البنیة الإیقاعیة تعنی انتظاماً معیناً محسوساً أو مدرکاً و إن کان الإیقاع الصوتی أحد أهم الأنواع المدرکة حواسیاً أو فکریاً و ذلک لتجربة الأذن الطویلة فی الإدراک الإیقاعی

2 – لهذه البنیة مستویان مستوى ظاهر محسوس و مستوى باطن مدرک فکریاً 6

3 – المستوى الباطن أکثر تعقیدیاً نظراً لتوضعه المخفی (بالنسبة للمنبه و المستقبل للتنبیه) فی لاوعی الطرفین, و بما أنه من الصعوبة إدراکه کذلک من الصعوبة وضع قوانین له.

4 – ترتبط البنیة الإیقاعیة فی مستوییها الباطن و الظاهر بالبنى الکلیة المحیطة, و أخص بالذکر البنیة اللغویة فی مجالیها النظمی و الإیحائی و هی فی تأثر و تأثیر مستمرین.

5 – للإیقاع وظیفة مهمة و تکمن فی تنظیم وظائف الدماغ, و أکبر مثال علیها النوم الذی یعتبر السبیل الوحید لاستعادة الدماغ نشاطه من جدید, فهو یأتی فی شکل إیقاع فکری خالص من خلال التنظیم الدوری للحلم خلال النوم (وار النوم), بحیث أن الشخص عندما ینام یمر بأربع أو خمس أطوار متکررة, یمتد کل طور حوالی الساعتین, فی نهایة کل طور یتم استدراک الماضی من خلال عملیات فکریة معقدة و هو ما یسمى بالحلم, و ضمن الطور الواحد هناک تواتر لعملیات إیقاعیة فیزیولوجیة متشابهة فی کل طور.

و ربما یتساءل سائل أن الشخص لا یدرک سوى حلم واحد, و هذه أیضاً حقیقة, فلا یمکن تذکر الأحلام الأربع أو الخمسة کلها, و یتم تذکر الحلم الأخیر و الذی یتم الاستیقاظ أثناءه.

6 – من خلال الفکرة الخامسة نصل إلى الفکرة السادسة و هی أهمیة الإیقاع الادراکی الفکری کوظیفة دماغیة, على الرغم من أهمیة الإیقاع الصوتی لسهولة إدراکه.

الإیقاع الشعری:

الفن مرتبط ارتباطاً وثیقاً بالقلق فهو المصنع الرئیسی الذی تتم فیه العملیات المعقدة لأی حالة إبداعیة.

و القلق هی حالة من اللاتوازن النفسی التی تصیب الأنا, ضروریة لاستمراریة هذه الأنا فی المسیرة الحیاتیة, عبر عملیات أشبه بالشحن و التفریغ.

فالقلق المتأتی بالدرجة الأولى نتیجة وضع الأنا أمام العدم, هذا القلق المدرک من خلال الشعور بالفراغ و أبعاده المبهمة, لا یجوز أن یستمر, لأن استمراریته تؤدی إلى اضطرابات عمیقة فی الحالة النفسیة و بالتالی إلى ما یسمى بالأمراض النفسیة المعروفة.

لذلک کان لا بد من إیجاد عملیات تفریغیة فی سبیل الوصول إلى حالة من التوازن, الذی یمکن له و فی أی لحظة أن یختل من جدید, لتبدأ الأنا فی البحث عن وسیلة جدیدة للإفراغ.

و کلما کانت عتبة الاستثارة للأنا منخفضة (عتبة الاستثارة و نعنی بها الطاقة أو الموقف الذی بإمکانه إدخال الأنا إلى حالة القلق المخلة بالتوازن المذکورة سابقاً) کلما کانت الذات قریبة من الإبداع فی أی لحظة و أخص بالذکر الإبداع الفنی.

و إن عملیات الإفراغ لهذا القلق المتولد, تتم عبر عدة أقنیة وإن کان الإفراغ الجنسی هو الأهم حسب نظریة التحلیل النفسی 7 لکن و حسب نفس النظریة و تعدیلاتها التی أتت فیما بعد فروید - أمثال ایرک فروم و یونغ - تؤکد أن طرقاً أخرى تشارک فی المسألة الافراغیة و نذکر منها:

التسامی: و ذلک من خلال التمسک بالفضائل و الأخلاق السامیة کما نجدها لدى الرهبان.

عن طریق الإبداع: و هو موضوع بحثنا, فالمبدع یحاول تفریغ شحنة القلق من خلال حالة إبداعیة تحمل قلقه باتجاه الغیر المرتقب و هو المتلقی.

هناک عملیات معقدة: لا داعی لشرحها هنا کالنکوص و التفریغ المرضی.

نصل فی النهایة إلى أن الإبداع حالة صحیة تبحث فیها الأنا السلیمة عن وسیلة لتفریغ القلق الناشئ و الضروری لاستمراریة الأنا فی الحضور ضمن الجماعة.

و ندخل بذلک إلى صلب موضوعنا و هو الشعر کحالة إبداعیة لها خصوصیتها, تتأتى هذه الخصوصیة من کونه أقرب الحالات الإبداعیة للاوعی - المبهم المعالم – الممثل لتلک الحالة الشعوریة, التی تحمل کمیة کبیرة من القلق, أکبر من الکمیة التی تحملها الأجناس الأخرى من الأدب, و الذی یحتاج بدوره إلى أدوات مساعدة قادرة على حمل هذا القلق و إخراجه من الذات الشاعرة باتجاه المتلقی المفترض.

و یأتی هنا دور الإیقاع کأداة هامة مساعدة لحمل هذا الکم الهائل من القلق المتأتی من تلک الحالة الإبداعیة الخاصة.

لذلک کله آثرنا أن نقول أن الشعر = إیقاع و هذا أمر لا یختلف علیه اثنان قدیمه و حدیثه

لکن ما هو الإیقاع و الإیقاع الشعری تحدیداً.

- تعریف الإیقاع الشعری:

یمکن تعریفه الآن من خلال کل ما سردناه عن الإیقاع و الشعر و علاقته بالذات الشاعرة و اللاوعی لتلک الذات بالشکل التالی:

بما أنه إیقاع إذا فهو حالة من الانتظام للتنبیهات الواقعة بین سکونین سکون البدایة و سکون النهایة و بما أنه شعری فهو یحمل صفة معینة و هی الشعریة, و کما نوهنا أن الإیقاع وجد لأداء وظیفة دماغیة, إذاً فهو:

عبارة عن تنبیهات منتظمة تقع بین سکونین تصل الدماغ (دماغ الشاعر و المتلقی) لیقوم هذا الدماغ على إرجاع السکینة للذات المتفاعلة (ذات الشاعر و المتلقی) بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.

هذا الإیقاع الذی هو حرکة الکلام فی الکتابة حیث یکون على أشده فی القصیدة الشعریة سواءً النثریة أم العمودیة أو قصیدة التفعیلة بینما یتناهى نحو السکون فی الخطاب النثری العلمی و قد شبه بول فالیری الکتابة الشعریة بالرقص مقارنة مع الکتابة النثریة من حیث رصد الحرکة فی کلتا الحالتین

و یکون بهذا المعنى النثر والشعر قمتین شامختین یمکن أن یقاس الفرق بینهما إنهما لیس أکثر أو أقل تباعدا من رقمین مختلفین فهما مثل الرقمین فی التماس ولکنهما متغایران نتیجة للفرق عینه الموجود فی الکم، والجدید الذی أوحت به الدراسات اللسانیة الشعریة هو قیاس "درجة الشاعریة" فی القطبین معا، حیث "الفرق بین الشعر والنثر کمی أکثر مما هو نوعی"، لهذا افترض النثر العلمی الطرف المقابل للشعر

أما بالنسبة لموضوعنا الأساسی الشعر و کیفیة تجلی الإیقاع فی الأجناس الشعریة المختلفة من قدیمه إلى حدیثه فنقول:

الإیقاع فی القصیدة العمودیة أو قصیدة الوزن:

و یشترک فیه أکثر من نوع من الإیقاع

1 – الإیقاع السمعی:

و هو الإیقاع الواصل إلى الدماغ من خلال إدراک الأذن للموسیقى المتأتیة من الموسیقى الظاهریة للنظام الصوتی للحروف, و المنتظمة فی نظام تعارف علیه بالبحور العروضیة, و هی البحور التی تم وضعها من قبل أبو خلیل الفراهیدی مع القافیة التی یجب الالتزام بها من قبل الشاعر, و التی تضیف إلى البحور إیقاعا صوتیاً إضافیا.

و کلنا یعلم أن القوانین التی وضعت من قبل الفراهیدی کانت قوانین استنتاجیه للقصائد التی جاءت من قبله, هذه القوانین التی فرضتها البنیة الإیقاعیة الجمعیة المدرکة من خلال الطبیعة (تأثرها بخطوات الجمال).

و یخطر فی بال أحدنا سؤال:

على ماذا کان الشعراء یعتمدون قبل الفراهیدی؟

هل کان الفراهیدی هو الحکم فیما بینهم؟

إذاً

نستخلص من کل ذلک أن الإیقاعات الصوتیة السمعیة إذ جاءت کضرورة من ضرورات الشعریة آن ذاک, و تم الترکیز على الإیقاع السمعی و ذلک لسهولة الإدراک السمعی للإیقاع - هذا ما أشرنا به سابقاً - إذ أن الإیقاع السمعی لا یحتاج إلى عملیات فکریة کبیرة.

2 – الإیقاع البصری:

و نراه من خلال التنضید الذی یتم للبیت الشعری الواحد فی شطرین مع القافیة المتکررة آخر کل بیت.

3 – الإیقاع الادراکی الفکری:

و التی تأتی من خلال الانکساریات المتعددة و بؤر التوتر التی تحملها القصیدة ومن خلال الصیاغة اللغویة و الصور البیانیة و الجمالیات التی تتمتع بها القصیدة الشعریة.

و هنا أطرح بعض الأسئلة التی یمکن أن تفیدنا

فی أیامنا هذه بعد تطور وسائل التعلیم کیف یمکن للأصم استساغة قصیدة شعریة؟

ألیس من حقه فی أن یرقی نفسه و یخلصها من القلق؟ و ذلک باعتبار ما للشعر من وظیفة کما أسلفنا سابقاً.

أیمکن للأوزان الخلیلیة أن تفید الأصم!؟

کیف یمکن أن نبرر سقوط کثیر من الشعراء الماضین من القاموس الشعری العربی مع أنهم کانوا ملتزمین بالأوزان العروضیة؟

کیف یمکن أن نبرر وقوف قصیدة النثر موقف الند للند مع القصیدة العمودیة فی أیامنا هذه ؟ مع أن هذه الأخیرة لم یمضی علیها أکثر من نصف قرن مقابل تراث یصل إلى العشرین قرناً و.

- و إن کان الأمر لیس کذلک لماذا هذه الحرب بینهما؟

ألا یمکن أن تحمل قصیدة النثر شعریة حقیقیة نحن غائبین عنها و إلا لما استمرت؟

أهو الغرب فعلاً شماعتنا الجاهزة بأن نعلق علیها کل الأشیاء التی نظنها ردیئة؟

لماذا لا نحاول البحث و التقصی؟

الإیقاع فی قصیدة النثر:

على ضوء ما ذکرناه عن مفهوم الإیقاع نصطدم سلفاً بما أوردناه من علاقة الانتظام مع الإیقاع, و علاقة القصیدة النثریة بتحطیم القوانین.

ربما هذه النقطة بالتحدید هی أکثر النقاط شائکة فی بحثنا, فهی النقطة الرئیسیة التی تم الجدال حولها باستمرار بین مدافعی قصیدة الوزن و مدافعی قصیدة النثر, و هی التی أودت بکثیر من المتطفلین على حشر نتاجاتهم ضمن هذا الصنف الأدبی الجدید الذی لا قوانین له و لا حساب و لا محاسبة, مما استدعى وقوف الطرف الآخر و نعنی مدافعی قصیدة الوزن موقف المتفرج الفرح, لأن ما کانوا یحذرون منه قد حدث, و نسی الاثنین أن الحریة هی عبارة عن فسحة الحرکة المتاحة بین الخطأ و الصواب, و مهما بلغت الحریة فهی لا تعترف بالقتل کفعل یجب امتلاکه کی نکون.

إذا نحن أمام معضلة کبرى أو متناقضات کبیرة مثل (فوضى / انتظام).. (یة / قوانین)...(هدم / بناء)...(لوزن / موسیقى)...(ة / سکون).

و هذه المتناقضات هی أساس القوانین الإیقاعیة التی تبنى علیها قصیدة النثر.

و هنا أطرح تساؤلات

ألیست الحریة بحد ذاتها قانوناً؟

لماذا الغضب و التشنج الذی یصیب معتنقی قصیدة النثر کلما جاءت سیرة القوانین ؟ لماذا کلما دق الکوز بالجرة تأتی سیرة الحریة؟ و أنها سبب البلاء, و أنها سوف تصبح وباءً علینا, و أن مجتمعنا لدیه قوانینه الأبدیة, و أن الهدم لن یصحبه الا الاستغناء عن الماضی... و ما إلى هنالک من کلمات و جمل یتذرعون بها مدافعون قصیدة الوزن.

من قال ذلک؟

هل استغنى رواد قصیدة النثر عن الماضی؟

لماذا إذاً عذّب أدونیس نفسه و ضیع وقته لدراسة الماضی و إحیائه من جدید...

هل من مجنون واحد حتى أولئک المتطفلین على قصیدة النثر قال مرة أن المتنبی لیس بشاعر؟

هل قُرِأتْ قصیدة للحطیئة أو امرأ القیس أو أبو تمام أو... الخ و تم رفضها؟

لماذا نحاول دائماً أن نبنی حروبنا على أساس نفی الآخر؟

الإیقاع الظاهری:

و یوازی الإیقاع السمعی و البصری الذی تحدثنا عنه فی قصیدة الوزن.

ویعتمد على البنیة الصوتیة للحروف کما فی قصیدة الوزن, لکن لیس بترتیبیة الفراهیدی و الأوزان العروضیة, إنما من خلال مبادئ خاصة, من أهمها على سبیل المثال و لیس الحصر, التکرار المقطعی فی ترتیبیة صوتیة معینة ضمن المقطع الشعری الواحد, أو التکرار اللفظی لبعض الکلمات التی یرید الشاعر إعطاءها الأهمیة فی الإظهار, و إلى ما هنالک من أسالیب اتبعها بعض شعراء الحداثة لإطفاء روح من الغنائیة, و التی هی غیر ضروریة لبناء قصیدة النثر, فالإیقاع الظاهر لا یأخذ الأهمیة هنا کما فی شعر الوزن.

الإیقاع الداخلی:

و هو نفسه الإیقاع الادراکی الفکری الذی تم بحثه فی قصیدة الوزن هذا الإیقاع یتبلور فی قصیدة النثر عبر عدة مفاهیم نذکر منها:

مفهوم وحدة الأضداد:

و هو المفهوم العام الذی منه تتفرع باقی المفاهیم, فکما أسلفنا سابقاً من خلال عرضنا لمفهوم الإیقاع و الإیقاع الشعری, أن قصیدة النثر تعتمد على متناقضات کبیرة أمثال فوضى / انتظام – حریة / قانون – حرکة / سکون – کسر الوزن / موسیقى.

هذه المتناقضات هی أساس القوانین التی تبنى علیها قصیدة النثر, و نسوق هنا تصورنا عن هذا المفهوم.

قبل کل شیء لا بد من تنویه عاجل إلى الطبیعة البشریة, و التی منذ أن وجدت و هی فی عراک مریر مع سلطة الفضاء الخارجی, و الصیغ التی یبتدعها للتخلص من تلک السلطة, من هنا کانت الحریة, الحلم الکبیر الذی مازال الإنسان یبحث لها عن معناً حقیقی, هذه الحریة التی أفردت لها صفحات من التاریخ, عن الحلم الذی راود البشر فی التحلیق, و التخلص من سلطة الطبیعة المدرکة على أنها تلک الجاذبیة التی تربطه بالأرض.

لذلک نجد الإنسان دائم المحاولة للوصول إلى نقطة تنعدم معها القوى, فی هذه النقطة التی تقع بین نقیضین, یشعر معها الإنسان بالنشوة و القلق فی نفس اللحظة, لما تحمله هذه النقطة من إحساس بالعدم و إحساس موافق بالأمان الذی یأتی نتیجة التخلص من سلطة الفضاء الخارجی, إنه الضیاع اللذیذ.

و التی على أساسها کانت تدور أغلب النظریات الفلسفیة و الدینیة, فمن فروید و الذی یعتبر الأنا هی نقطة الصراع بین الهو و الأنا الأعلى, هذه الأنا الواقعة بین الوعی و اللاوعی, إلى کل الأفکار الدینیة التی تؤکد أن الإنسان هو نتاج لقوتین أساسیتین بین الخیر و الشر, فالإنسان هو مساحة الحریة الحقیقیة فی الطبیعة و الذی فی بوتقته تنصهر قوى الطبیعة سالبها مع موجبها.

و الإنسان فی دأب مستمر لأن یبرز مفاتنه, و الفن أحد أهم الوسائل المتاحة لذلک و قصیدة النثر التی برأینا هی الأرقى حالیاً, کأسلوب یحمل نتاجاً فکریاً بشریاً جمعیاً من خلال استناده على کل التقنیات الفنیة, و من خلال مساحة الحریة التی تمتلکها هذه القصیدة, کان لا بد لها أن تبرز هذا التناقض و توحده ضمن جسد القصیدة.

لذلک نجد الصورة الشعریة و الصیاغة اللغویة و المعنى فی قصیدة النثر مبنیة على وحدة المتناقضات, کأن یقول شاعر مثل محمد الماغوط مثلاً " لا شیء یربطنی بهذه الأرض سوى الحذاء " أو کما یقول أدونیس فی مقدمة لملوک الطوائف " وجه یافا طفل / هل الشجر الذابل یزهو؟ / هل تدخل الأرض فی صورة عذراء؟ / مَنْ هناک یرجّ الشرق؟ / جاء العصف الجمیل ولم یأت الخراب الجمیل/ صوت شرید.. / " فالخراب لدى أدونیس یحمل الجمال.

مفهوم الترکیب و الصیاغة:

الترکیب:

و هو أقرب ما یکون إلى العلاقة النحویة, و بالتالی هو أقرب إلى النظام و الثبات أی السکون.

بینما الصیاغة:

تشیر إلى تفجیر هذا النظام و خلخلة الترکیب اللغوی المألوف لإیجاد بنى تعبیریة جدیدة و خلق حالة من الحرکة داخل السکون, و هنا یکمن قدرة الشعر على خلق لغة خاصة به.

مفهوم التوتر و التوتر ضمن النص:

التوتر و هو البؤرة الانفعالیة التی لا یخضع لها الشاعر و المتلقی بطریقة عادیة - و المقصود بکلمة عادیة کل ما یتفرع عنها من تداع و حلم و انسیابیة - و إنما توقظه و تثیره و تهز کیانه, أو بمعنىً آخر تصدمه بما تحمله من شحنة توتریة.

وهذا التوتر ینشأ داخل النص من التقاطعات التی تکونت منها بنیته, و من علاقات التضاد المتمثلة بانکسار سیاقه اللغوی, و ما یحمله إلینا من اضطراب فی مفاهیم الصیغ و علاقاتها, و قیمة التوتر تأتی من کونه یساعد على تعمیق دلالات النص, و یعمل على تحریک الشعور عند الشاعر و المتلقی على السواء, و بالتالی على التوصیل الدقیق للحالة الشعوریة لدى الکاتب.

مفهوم الصورة الشعریة:

و هی حرکة ذهنیة تتم داخل الشعور, لکنها فی ذاتها تعد انعکاسا مکثفاً لمختلف جوانب الطبیعة و المجتمع و ظواهرها مع الاحتفاظ بخصوصیة التجربة و فرادتها, کما تدل على أشیاء غیر مرئیة موجودة فی وجدان الشاعر, ترسخت عبر المسیرة الحیاتیة, و هنا یتدخل اللاوعی لدى الشاعر فی تشکیل الصورة بحذف أو إضافة ما یراه ملائماً لإخراجها صورة شعریة لها خصوصیتها الناجمة عن الحالة الانفعالیة للشاعر.

و بذلک فالصورة الشعریة:

هی عبارة عن عکس للب الظواهر من خلال الفردی الذاتی و خصوصیته فهی تدل على العام من خلال الجزئی من الظاهرة.

مفهوم وحدة القصیدة:

و هی موجودة بشکل رئیس فی قصیدة النثر, حیث أن القصیدة تدور حول فکرة جوهریة أصلیة تتفرع عنها مجموعة من الأفکار الجزئیة التی لا یمکن فهمها إلا من خلال إضاءة الفکرة الرئیسیة و بلورتها.

مفهوم التکثیف:

یقول النفری " کلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤیا " من هذا المبدأ یکون للتکثیف أهمیة قصوى لإحاطة الجزء بالکل, و الذی هو هدف الفن الحقیقی, و التکثیف لیس بمعنى الشطب الذی یؤدی للإبهام, إنما بمعنى الاختزال المبنی على رؤیة شاملة للفضاء الخارجی, و خلق حالة من التوتر قادرة على حمل القلق الذی تحدثنا عنه.

مفهوم الرؤیا:

یشیر جبران خلیل جبران فی أحد رسائله إلى ماری هاسکل سنة 1929 إلى أن الطموح الجوهری للإنسان الشرقی هو أن یکون نبیاً, و النبوة بهذا المعنى لیست النبوة الدینیة, إنما النبوة بمعنى الإدراک العمیق لما یدور حوله و استقراء الغیب من خلال رؤیة عمیقة للمستقبل ترتکز على فهم عمیق للواقع.

و یعرف ابن خلدون الرؤیا على أنها " مطالعة النفس لمحنة من صور الواقعات مقتبساً بها علم ما تتشوق إلیه من الأمور المستقبلیة "

بهذا المعنى یجب على الشاعر أن یمتلک رؤیة واضحة للمستقبل تمکنه من الانخراط مع الواقع و المصالحة معه, و ربما نسوق هنا مثالاً قریباً عن تلک الرؤیا التی یمتلکها الشاعر الحقیقی, عندما تناقلت الأخبار الثقافیة مدى تقاطع أحداث 11 سبتمبر مع مضمون قصیدة قبر لنیویورک للشاعر أدونیس, علماً بأن الأخیر قد کتب تلک القصیدة قبل الأحداث بعشر سنوات تقریباً.

من کل ما سبق نؤکد على

أولاً – الشعر = إیقاع:

و هذا متفق علیه, کذلک کل أنواع الفنون لکن الشعر له ارتباط حمیم به, و ذکرنا الأسباب النفسیة لذلک, لکن الإیقاع لا یعنی الأوزان الخلیلیة بل الأوزان الخلیلیة هی أحد الأسالیب المتخذة لبلورة هذا الإیقاع.

هذا الإیقاع الذی هو عبارة عن تنبیهات تأتی من العلاقة بین العناصر المکونة لبنیة القصیدة, و تأتی فی القصیدة الشعریة الموزونة من المصدر الصوتی للکلمة بشکل أساسی, و بشکل ثانوی من الدلالات اللغویة للکلمة.

بینما فی قصیدة النثر, یعتبر الإیقاع حاصلاً للعلاقات الداخلیة للقصیدة, أی هناک ارتباط وثیق بالدلالة المرتبطة أساساً بالصیاغة اللغویة, هذه الصیاغة التی هی عبارة عن سلسلة من الحرکات الصوتیة المقترنة بسلسلة من الحرکات الفکریة.

و بهذا یکون الإیقاع فی قصیدة النثر حرکة مرتکزها الأساسی الدلالة اللغویة المصاغة, تسیر مع النص و تنهض فی نسیج مکوناته لتولید الدلالة النهائیة, بحیث تکون هناک علاقة تأثیر و تأثر بین الإیقاع و الدلالة.

و بهذا نجد أن الإیقاع له صلة وثیقة بالقصیدة بشکلیها الموزون و النثری, و ذلک لتمکین الشعور من السیطرة على الحالة الانفعالیة من قبل الکاتب و المتلقی, و ربما هذه النقطة هی أکثر النقاط خلافاً بین مؤیدی قصیدة الوزن و مؤیدی قصیدة النثر.

و لا أجد أی مبرر للغضب و المشاحنات عندما تتبدل الأسالیب لتأدیة نفس المهمة.

ثانیاً – قصیدة النثر لیست جنساً غریباً:

حتى أننا لا نجد أی مبرر لهذا المصطلح, الذی ربما فی بعض جوانبه یحمل الاغتراب و الانفصال, لأنه جاء کتکریس للترجمة الحرفیة من المصطلح الأجنبی, و برأینا الشخصی یجب التخلی عن هذا المصطلح و الاستبدال بقصیدة شعریة, فقصیدة النثر هو امتداد طبیعی لما کان, فالشعر هو شعر مهما تغیرت الأسالیب.

ثالثاً – الأوزان الخلیلیة لیست مقدسة:

الأوزان الخلیلیة وضعها بشر فی حقبة ما, و ما یضعه البشر قابل للتطویر و التجدید و الحذف و الشطب و ما إلى ذلک من عملیات بشریة, و إن هذا التقدیس للأوزان الخلیلیة لا نجد له مبرراً.

رابعاً – قصیدة النثر لیست بدیلاً عن أی جنس أدبی:

قصیدة النثر لا تعرض نفسها بدیلاً یقوم على رفض الآخر (قصیدة الوزن), بل العکس تماماً مؤیدی هذا النوع الثانی و نعنی قصیدة الوزن یحاولون شطب الآخر و نفیه, بینما أهم الأسس التی تقوم علیها قصیدة النثر هی الاعتراف بالآخر.

خامساً – کل فن فیه السیئ و الجید:

کما هی قصیدة الوزن لا تصل إلى الکمال, قصیدة النثر کذلک, و کما فی قصیدة الوزن متطفلون, فی قصیدة النثر نرى ذلک, و ربما أکثر من ذلک لاستسهال الموضوع و عدم فهمهم للأصول الأدبیة, و هذا شیء جد طبیعی و الزمن کفیل بالتصفیة.

سادساً – ضرورة التقصی و التدقیق قبل إطلاق الأحکام الهوجاء:

النقطة الأخیرة مع أنها ربما کانت نشازاً عن الموضوع, لکننا رأینا ضرورة ذکرها من مبدأ أن لکل قاعدة شواذها, و الشواذ تؤکد القاعدة, و هی النقطة التی دعتنا للقیام بتحضیر هذه الدراسة المتواضعة لتسلیط الضوء على مفهوم ربما کان الجدال علیه قبل عقدین من الزمن مبرراً, لکنی و بمفاجئة مثیرة للریبة وجدت الموضوع مثاراً إلى یومنا هذا و أرجو أن أوفق فیما أتیت.

المراجع:

الوعی و الفن - تألیف غیورغی غاتشف - ترجمة د.نوفل نیوف - سلسلة عالم المعرفة العدد 164

- هاریسون مبادئ الطب الباطنی

أسرار النوم – عالم المعرفة – عدد 163

محاضرات تمهیدیة جدیدة فی التحلیل النفسی - تألیف سیجموند فروید - ترجمة عزت راجح 1990

الثابت و المتحول – أدونیس – الطبعة الخامسة 1986

تقابل الفنون – ایتیان سوریو – ترجمة بدر الدین قاسم الرفاعی – منشورات وزارة الثقافة السوریة 1993

دراسة للشاعر شریف رزق بعنوان المفاهیم النظریة للأنواع الشعریة فی شعر ما خارج الوزن قصیدة الشعر الحر – قصیدة النثر – النثیرة و المنشورة فی العدد الخامس عشر من مجلة نزوى العمانیة

فلسفة بنیة الإیقاع للدکتور علوی الهاشمی العدد 20 من کتابات معاصرة 1994

قضایا الإبداع فی قصیدة النثر – یوسف حامد جابر – الطبعة الأولى 1991 عن دار الحصاد بدمشق.


شعراء المهجر

شعراء المهجر

شعراء المهجر هم شعراء عرب عاشوا ونظموا فی بلاد تغربهم ، ویطلق اسم شعراء المهجر عادة على نخبة من اهل الشام المثقفین الذین هاجروا إلى الامریکیتین ما بین اواخر الثمانینات من 1800 وحتى اواسط 1900 ، وقد اعتاد الناس تسمیة اعضاء الرابطة القلمیة والعصبة الاندلسیة بشعراء المهجر ، بینما فی الواقع هناک الکثیر من الشعراء المهجریین الذین لم یکونوا اعضاء فی تلک الراوابط .

 

اسباب الهجرة

کانت الظروف الاقتصادیة السیئة فی فترة الحکم العثمانی اهم الاسباب التی ادت بهؤلاء إلى الهجرة . و الظروف السیاسیة و الاسباب الدینیة

ادباء المهجر الشمالی

هم الادباء العرب الذین هاجروا إلى الولایات الامریکیة المتحدة والى مناطق اخرى من امریکا الشمالیة.

وهم مجموعة الرابطة القلمیة ومجموعة من من لم یکونوا فی تلک الرابطة ، ومنهم :

  • امین الریحانی
  • نعمة الله الحاج

الرابطة القلمیة

تاسست عام 1920 على ید جبران خلیل جبران ورفاقه وکان اعضائها:

التأسیس

بدأت فکرة الرابطة عام 1916 إلا أنها تأسست رسمیا عام 1920 فی نیویورک على ید نخبة من الأدباء. وفی کتابه "جبران ـ حیاته، موته، أدبه، فنه" ذکر میخائیل نعیمة أن الرابطة "تأسست بعد جلستین، عُقدت أولاهما فی منزل عبد المسیح حداد، مالک ورئیس تحریر جریدة "السائح" النیویورکیة العربیة، بتاریخ 20 أبریل (نیسان) 1920". وورد فی محضر هذه الجلسة التی دونها نعیمة بیده على حد تأکیده، أن "أحدهم رأى أن تکون لادباء المهجر رابطة تضم قواهم وتوحد مسعاهم فی سبیل اللغة العربیة وآدابها. فوافقت الفکرة استحسان کل الادباء الحاضرین وهم: جبران، نسیب عریضة، ولیم کاتسفلیس، رشید أیوب، عبد المسیح حداد، ندرة حداد، میخائیل نعیمة. وفی 28 منه، عقدت الجلسة الثانیة والحاسمة فی منزل جبران بحضور الادباء، الذین حضروا الجلسة التمهیدیة، إضافة إلى الأدیب الفکه الیاس عطا الله. تمت الموافقة على دستور الجمعیة، وانتخب المؤسسون جبران عمیداً للرابطة، ومیخائیل نعیمة مستشاراً، وولیم کاتسفلیس خازناً، وکلفوا نعیمة مهمة تنظیم قانونها".[1][2] وتفککت بمجرد موت جبران سنة 1932.

إنجازاتها

قام أعضاءها بنشر الجرائد والصحف العربیة فی بلاد المهجر ومنها:

  • مجلة "الفنون" وتعنى بالأدب وناشرها کان نسیب العریضی.
  • جریدة "السائح" وتعنى بشؤون المهاجرین وناشرها کان عبد المسیح حداد.
  • مجلة "السمیر" وناشرها کان إیلیا أبو ماضی وتعنى بشؤون العرب فی أمریکا. کانت تصدر 5 مرات فی الأسبوع. [3].

 

ادباء المهجر الجنوبی

هم من هاجر إلى مناطق امریکا الجنوبیة کالبرازیل والارجنتین والمکسیک وفنزویلا.

واسس مجموعة من الادباء هناک ما سمی بالعصبة الاندلسیة .

العصبة الاندلسیة

ومن اعضاء هذه العصبة:

 

 


مدرسة الدیوان

 مدرسة الدیوان

مدرسة الدیوان هی حرکة تجدیدیة فی الشعر العربی ظهرت فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرین على ید عباس محمود العقاد وإبراهیم المازنی وعبد الرحمن شکری. سمیت بهذا الاسم نسبة إلى کتاب ألفه العقاد والمازنی وضعا فیه مبادئ مدرستهم واسمه "الدیوان فی الأدب والنقد". حُددت أهداف المدرسة کما یقول العقاد فی الدیوان: «وأوجز ما نصف به عملنا إن أفلحنا فیه أنه إقامة حد بین عهدین لم یبق مال یسوغ اتصالهما والاختلاط بینهما، وأقرب ما نمیز به مذهبنا أنه مذهب إنسانی مصری عربی».

مما تدعو إلیه المدرسة التمرد على الأسالیب القدیمة المتبعة فی الشعر العربی سواء فی الشکل أو المضمون أو البناء أو اللغة.

نهجت هذه المدرسة النهج الرومانسی فی شعرها ومن أبرز سمات هذه المدرسة:

  • الدعوة إلى التجدید الشعری فی الموضوعات
  • الاستفاد من الادب الغربی
  • الاطلاع على الشعر العربی القدیم
  • الاستعانة بمدرسة التحلیل النفسی
  • الاتجاه إلى الشعر الوجدانی

النشأة

تکونت من الشعراء الثلاثة (العقاد، المازنی، شکری)، الذین کانوا متأثرین بالرومانسیة فی الأدب الإنجلیزی، ولدیهم اعتزاز شدید بالثقافة العربیة. وسمیت مدرسة الدیوان بهذا الاسم نسبة إلى کتابهم (الدیوان فی الأدب والنقد) الذی أصدره العقاد والمازنی سنة 1921 فسمى الثلاثة (جماعة الدیوان، أو شعراء الدیوان، أو مدرسة الدیوان)، والواقع أن آرائهم الشعریة قد ظهرت قبل ذلک منذ عام 1909، وقد نظر هؤلاء إلى الشعر نظرةً تختلف عن شعراء مدرسة الإحیاء، فعبروا عن ذواتهم وعواطفهم، وما ساد عصرهم، ودعوا إلى التحرر من الاستعمار وتحمُّل المسئولیة، فهاجموا الإحیائیین، وفی مقدمتهم (شوقی وحافظ والرافعی).

اتجاهها

اتجه رواد هذه المدرسة إلى التجدید عندما وجدوا أنفسهم یمثلون الشباب العربی وهو یمر بأزمة فرضها الاستعمار علی الوطن العربی الذی نشر الفوضى والجهل بین أبنائه فی محاولة منه لتحطیم الشخصیة العربیة الإسلامیة. عندئذ تصادمت آمالهم الجمیلة مع الواقع الألیم الذی لا یستطیعون تغییره فحدث ما یلی لهم :

  • الهروب من عالم الواقع إلى عالم الأحلام.
  • الفرار إلى الطبیعة لیبثوا لها آمالهم الضائعة.
  • التأمل فی الکون والتعمق فی أسرار الوجود.

الفرق بین مدرسة مطران ومدرسة الدیوان

  • مدرسة مطران خطوة انتقالیة من الکلاسیکیة إلى الرومانسیة، ومدرسة الدیوان انطلاقة فی طریق الرومانسیة.
  • مطران متأثر بالرومانسیة الفرنسیة، وشعراء الدیوان متأثرون بالرومانسیة الإنجلیزیة.
  • مطران یلتزم وحدة الوزن والقافیة، وشعراء الدیوان لا یلتزمون بهذه الوحدة.

 الفرق بین مدرسة الدیوان والمدرسة الکلاسیکیة

مدرسة الدیوان - مدرسة الإحیاء الکلاسیکیة:

  • عدم الالتزام بالوزن والقافیة - الالتزام بالوزن والقافیة.
  • عدم الإسراف فی استخدام الصور والمحسنات - یستمدون الصور غالباً من القدیم.
  • یستمدون الصور من بیئتهم الجدیدة - المغالاة فی استخدام الصور والمحسنات.
  • یستخدمون لغة العصر - یستخدمون لغة التراث.
  • لا یحاکون القدماء فی أغراضهم أو معانیهم - یحاکون القدماء ولذلک کثرت المعارضات فی شعرهم.
  • الوحدة العضویة - وحدة البیت الشعری.

 

 الخصائص الفنیة لجماعة الدیوان

الجمع بین الثقافة العربیة والإنجلیزیة.

  • التطلع إلى المثل العلیا والطموح.
  • الشعر عندهم تعبیر عن النفس الإنسانیة وما یتصل بها من التأملات الفکریة والفلسفیة.
  • وضوح الجانب الفکری عندهم مما جعل الفکر یطغی علی العاطفة.
  • التأمل فی الکون والتعمق فی أسـرار الوجـود.
  • القصیدة عندهم کائن حی کالجسم لکل عضو وظیفته.
  • الوحدة العضویة المتمثلة فی وحدة الموضوع ووحدة الجو النفسی.
  • الصدق فی التعبیر والبعد عن المبالغات.
  • استخدام لغة العصر.
  • ظهور مسحة من الحزن والألم والتشاؤم والیأس فی شعرهم.
  • عدم الاهتمام بوحدة الوزن والقافیة منعاً للملل والدعوة إلى الشعر المرسل
  • الاهتمام بوضع عنوان للقصیدة ووضع عنوان للدیوان لیدل علی الإطار العام لمحتواها.
  • التجدید فی الموضوعات غیر المألوفة مثل (رجل المرور/ الکواء).
  • استخدام طریقة الحکایة فی عرض الأفکار والآمال.

 

 مفهوم الشعر عند جماعة الدیوان

مفهوم الشعر عند جماعة الدیوان أن الشعر تعبیر عن الحیاة کما یحسها الشاعر من خلال وجدانه ؛ فلیس منه شعر المناسبات والمجاملات، ولا شعر الوصف الخالی من الشعور، ولا شعر الذین ینظرون إلى الخلف ویعیشون فی ظلال القدیم، ویعارضون القدماء عجزا عن التجدید والابتکار، بینما الشعر الجید هو ذلک الذی یقوله هؤلاء الشبان الذین ینظرون إلى الأمام معبرین عن ذواتهم وعواطفهم، وما یسود عصرهم من أحداث ومشکلات.

ویمیل شعرهم إلى الجفاف بسبب طغیان (زیادة) الجانب الفکری عندهم علی الجانب العاطفی.

 

 القصیدة کائن حی  

شاع فی تعبیر جماعة الدیوان أن القصیدة کائن حی، وهم یقصدون بذلک الوحدة العضویة المتمثلة فی وحدة الموضوع، ووحدة الجو النفسی ؛ بحیث لا یکون البیت وحدة القصیدة، بل هی وحدة متماسکة فی موضوع واحد، فلا تتعدد الأغراض، ولا تتنافى الأجزاء، بل تأتلف (تتجمع) تحت عنوان للقصیدة، فلا یجوز حذف بیت منها أو نقله من موضعه ؛ لأن ذلک یخل بها.

 

موقف کل من الإحیائیین وجماعة الدیوان من "الوحدة العضویة للقصیدة"

مدرسة الإحیاء یعتبرون البیت وحدة القصیدة، وذلک یجعلها مفککة غیر مترابطة ؛ لأنهم یتابعون القدماء فی تعدد أغراض القصیدة من البدء بالغزل والوصف والمدح والحکمة، ولذلک یمکن حذف بعض الأبیات أو نقلها من مکانها إلى مکان آخر، أما شعراء مدرسة الدیوان فیدعون إلى الوحدة العضویة، بحیث تدور القصیدة حول موضوع واحد مع ملاءمة الألفاظ والصور للجو النفسی.

رأی شعراء الدیوان فی شعر المناسبات

یرى شعراء الدیوان أن شعر المناسبات یسمى نظما ولیس شعرا ؛ لأنه یفتقد صدق الشعور، ویرد على ذلک بأن بعض القصائد التی تقال فی المناسبات قد تکون نابعة من تجربة صادقة، وفیها وحدة عضویة حتى إن العقاد الذی یعیب شعر المناسبات، له قصائد فی المدح والغزل والرثاء ؛ فقد رثى (محمود النقراشی) بعد مصرعه، ورثى الأدیبة (می زیادة) فی ذکرى الأربعین لوفاتها.


مدارس الشعر العربی الحدیث

مدارس الشعر العربی الحدیث

بدأت مع النصف الثانی من القرن التاسع عشر المیلادی بشائر نهضة فنیة فی الشعر العربی الحدیث، وبدأت أول أمرها خافتة ضئیلة، ثم أخذ عودها یقوى ویشتد حتى اکتملت خلال القرن العشرین متبلورة فی اتجاهات شعریة حددت مذاهب الشعر العربی الحدیث، ورصدت اتجاهاته. وکان لما أطلق علیه النقاد مدارس الشعر أثر کبیر فی بلورة تلک الاتجاهات التی أسهمت فی بعث الشعر العربی من وهدته کما عملت على رفده بدماء جدیدة، مستفیدة من التراث العالمی آخذةً ما یوافق القیم والتقالید. وتعد مدرسة الإحیاء والدیوان وأبولو والمهجر والرابطة القلمیة والعصبة الأندلسیة وجماعة مجلة الشعر أشهر هذه المدارس، إذ إنها قدمت الجانب النظری وأتبعته بالجانب العملی التطبیقی؛ فکان نقادها یُنَظِّرُون وشعراؤها یکتبون محتذین تلک الرؤى النقدیة. وسنورد هنا کلمة موجزة عن کل مدرسة من هذه المدارس.

 

أحمد شوقی 

مدرسة الإحیاء. یمثِّل هذه المدرسة من جیل الرواد محمود سامی البارودی، ثم أحمد شوقی، ومن عاصره أو تلاه مثل: حافظ إبراهیم وأحمد محرم وعزیز أباظة ومحمود غنیم وعلی الجندی وغیرهم.

 

وهذه المدرسة یتمثّل تجدیدها للشعر العربی فی أنها احتذت الشِّعر العباسی، إذ تسری فی قصائد شعرائه أصداء أبی تمام والبحتری والمتنبی والشریف الرضیّ. فتجدیدها إذن نابع من محاکاة أرفع نماذج الشعر وأرقى رموزه فی عصور الازدهار الفنی، وبخاصة العصر العباسی.

 

لا ینبغی تجاهل عنصر الطاقة الذاتیة الفذّة التی کانت لدى کل من رائدی هذه المدرسة خاصة، وهما: البارودی وشوقی. لقد قرآ التراث الشعری قراءة تمثل، وتذوقا هذا التراث، وأعانتهما الموهبة الفذّة على إنتاج شعر جدید لم یکن لقارىء الشعر الحدیث عهد به من قبل، إذ قبیل اشتهار البارودی عرف الوسط الأدبی شعراء أمثال: علی اللیثی، وصفوت الساعاتی، وعبد الله فکری، غلبت على أشعارهم الصنعة اللفظیة، واجترار النماذج الفنیة فی عصور الضعف، والاقتصار على المناسبات الخاصة مثل تهنئة بمولود، أو مداعبة لصدیق، هذا إلى مدائح هؤلاء الشعراء للخدیوی وغیره، مع افتقار إبداعاتهم الشعریة للتجربة والصدق الفنی. لقد ابتعد الشعر العربی إذن، قبل البارودی، عن النماذج الأصیلة فی عصور الازدهار، کما افتقد الموهبة الفنیة.وبشکل عام، فإن فن الشعر قبل البارودی قد أصیب بالکساد والعقم.

 

ولقد برزت عوامل شتى أعادت للشعر العربی، على ید البارودی وشوقی، قوته وازدهاره، فإلى جانب عامل الموهبة، فإن مدرسة البعث والإحیاء کانت ولیدة حرکة بعث شامل فی الأدب والدین والفکر؛ إذ أخرجت المطابع أمهات کتب الأدب ـ خاصة ـ مثل: الأغانی، ونهج البلاغة، ومقامات بدیع الزمان الهمذانی، کما أخرجت دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانی، وکان الشیخ محمد عبده قد حقق هذه الکتب وسواها، وجلس لتدریسها لطلاب الأزهر ودار العلوم، فضلاً عن الصحوة الشاملة فی شتَّى مرافق الحیاة، والاتصال بالثقافة الحدیثة وصدور الصحف والمجلات، وانتشار التعلیم.

 

ولقد عبر البارودی عن مأساة نفیه، فی أشعاره، بأصدق تجربة وأروع لغة، وترک دیوانًا عده الدارسون بکل المقاییس، البدایة الحقیقیة لنهضة الشعر، والصورة الجلیة لرائد مدرسة الإحیاء والبعث.

 

وإذا کان البارودی قد أعاد للشعر العربی دیباجته، فإن أحمد شوقی، فی حدود نزعته التقلیدیة، قد مضى بما خلفه البارودی أشواطًا بعیدة بمسرحه الشعری وقصصه التعلیمی على لسان الحیوان، وقصائده الوطنیة والعربیة والإسلامیة، وبتعبیره الشعری عن أحداث عصره وهمومه. کما کان لثقافته الفرنسیة أثر واضح فیما أحدثه من نهضة شعریة تجاوزت الحدود التی وقف البارودی عندها، وکان شوقی قد قرأ کورنی وراسین ولافونتین، بل قرأ شکسبیر، وتأثر به کثیرا فی مسرحه الشعری.

 

ومع هذا، فإن أحمد شوقی لم یتجاوز النزعة الغنائیة، حتى فی مسرحه الشعری، وبدا واضحًا أن شوقی قد جعل من المسرح سوق عکاظ عصریة، یتبادل فیها شخوص مسرحیاته إلقاء الأشعار فی نبرة غنائیة واضحة.

 

جماعة الدیوان

 

أطلق علیها هذا الاسم نسبة إلى الکتاب النقدی الذی أصدره عباس محمود العقّاد وإبراهیم عبد القادر المازنی (1921م) وشارکهما فی تأسیس هذه الجماعة عبد الرحمن شکری.

 

تُعد هذه الجماعة طلیعة الجیل الجدید الذی جاء بعد جیل شوقی وحافظ إبراهیم وخلیل مطران. وکانت الجماعة التی تزعمتها قد تزودت بالمعارف والثقافة الغربیة، وقد حرصت هذه الجماعة على أشیاء ودعت إلیها ، منها:1- الدعوة إلى التعبیر عن الذات بتخلیص الشعر من صخب الحیاة وضجیجها. 2- الدعوة إلى الوحدة العضویة فی الشعر بحیث تکون القصیدة عملاً متکاملاً. 3- الدعوة إلى تنویع القوافی والتحرر من قیود القافیة الواحدة. 4- العنایة بالمعنى والاتجاه التأمُّلی والفلسفی. 5- تصویر جواهر الأشیاء والبعد عن مظاهرها. 6- تصویر الطبیعة وسبر أغوارها والتأمُّل فیما وراءها.

 

والدیوان کتاب فی النقد، شارک فی إخراجه العقاد والمازنی، وکان العزم على أن یخرج هذا الکتاب فی عشرة أجزاء، غیرأنه لم یخرج منه سوى جزءین. وهو کتاب موجّه نحو نقد القدیم، حاول فیه العقاد تحطیم زعامة شوقی الشعریة؛ فهاجم أسالیب شوقی، وعاب شعره وشعر حافظ إبراهیم فی السیاسة والاجتماع، لکون عواطفهما سطحیة تقف عند القشور دون اللُّباب، ولکون الشعر الصحیح هو الذی یتعمق وراء القشور ویعبّر عن سرائر الأمة وجوانبها النفسیة، لأنها مکْمَنُ المشکلة. وقد هاجم العقاد، فی الجزء الأول أیضًا، الصَّحافة التی أقامت لشوقی وزنًا، وجعلت له فی کل یوم زَفّة·.

 

أما الجزء الثانی فقد تصدّى فیه المازنی للمنفلوطی وحاول أیضًا تحطیمه واسمًا أدبه بالضَّعف، ووصمه بکل قبیح، واتهمه بأنه یتجه فی أدبه اتجاه التّخنُّث.

 

وتجاوب مع تیار العقاد والمازنی، میخائیل نعیمة رائد التجدید فی الأدب المهجری، وأخرج، بعد عامین، کتابه النَّقدی الغربال (1923م). ومضى فیه على طریقة المازنی والعقاد فی الهجوم على القدیم والدعوة إلى الانعتاق منه.

 

لم یکتب لهذه الجماعة الاستمرار، ولو کتب لها ذلک لکان من الممکن أن یکون تأثیرها عمیقًا على الحرکة الأدبیة. ولکن دبّ الخلاف بین اثنین من مؤسسیها، المازنی وشکری، حین اتّهم المازنی شکریًّا بأنه سرق عددًا من قصائد الشعر الإنجلیزی وضمنها بعض دواوینه، وقد کشف المازنی هذه القصائد وحدد مصادرها، فما کان من شکری إلا التصدی للمازنی فی کتابه صنم الألاعیب. واحتدم الصّراع بینهما، فاعتزل شکری الأدب ثم تلاه المازنی، وبقی العقاد فی الدیوان وحده. ثم إن العقاد نفسه رجع عن کثیر من أفکاره، خاصة تلک المتعلقة بعمود الشعر، وذکر أنه أمضى فی التیار الجدید نحوًا من ثلاثین سنة، ومع ذلک، فإن أذنه لم تألف موسیقى الشعر الجدید وإیقاعه.

 

جماعة أبولو

 اسم لحرکة شعریة انبثقت من الصراع الدائر بین أنصار المدرسة التقلیدیة وحرکة الدیوان والنزعة الرومانسیة، لتتبلور عام 1932م بریادة الشاعر أحمد زکی أبی شادی،

 لم یکن لجماعة أبولو مذهب شعری بعینه، کما کان لحرکة الدیوان، التی انتمت للحرکة الرومانسیة ضد الاتجاه الکلاسیکی فی الشعر. ولم یکتبْ لها بیان شعری یحدد نظرتها إلى الإبداع وقضایاه المتفرقة، من أسلوب ومضمون وشکل وفکر... إلخ. بل اکتفى أبوشادی بتقدیم دستور إداری للجماعة، یحدد الأهداف العامة لها من السمو بالشعر العربی، وتوجیه جهود الشعراء فی هذا الاتجاه، والرقی بمستوى الشعراء فنیًا واجتماعیًا ومادیًا، ودعم النهضة الشعریة والسیر بها قدما إلى الأمام.

 انتخبت الجماعة أمیر الشعراء أحمد شوقی أول رئیس لها. وبعد وفاته بعام واحد، تلاه خلیل مطران، ثم أحمد زکی أبوشادی. واستمرت الحرکة من (1932- 1936م). وکان لها مجلة دوریة، مجلة أبولو التی توقفت (1934م)، تعد وثیقة أدبیة وتاریخیة وفکریة لهذه الجماعة التی نازعت حرکة الدیوان سیطرتها، وحّلت محّلها، فأنتجت جیلاً شعریًا ینتمی إلى الاتجاه الرومانسی بحق، من أمثال: إبراهیم ناجی، وعلی محمود طه، ومحمود حسن إسماعیل، ومحمد عبدالمعطی الهمشری وغیرهم.

وکان أثر مطران على الجماعة بارزًا، باعتراف محمد مندور وقولة إبراهیم ناجی المشهورة: (کلنا أصابتنا الحمى المطرانیة). ویقصد بها نزعته التجدیدیة فی الشعر وطابعه الذاتی الرومانسی.

 ورغم أن هذه الحرکة الشعریة لم تُعَمَّر طویلاً، إلا أنها ترکت أصداءها فی العالم العربی، وراسلها العدید من الشعراء والنقاد، أمثال: أبی القاسم الشابی، وآل المعلوف، ومن بینهم عیسى إسکندر وشفیق ابنه صاحب عبقر. کما نرى هذه الأصداء فی بعض نتاج شعراء الحجاز أمثال: محمد حسن عواد وحسین سرحان. کما تجاوب معها میخائیل نعیمة رائد حرکة التجدید فی المهجر، وقد نص على تجاوبه معها فی مقدمة دیوانه الغربال.

 اتسمت حرکة جماعة أبولو، بأنها عمّقت الاتجاه الوجدانی للشعر، وانفتحت على التراث الشعری الغربی بوساطة الترجمة من الشعر الأوروبی، ودعت إلى تعمیق المضامین الشعریة واستلهام التراث بشکل مبدع، واستخدام الأسطورة والأسالیب المتطورة للقصیدة، ولفتت الأنظار إلى تجریب أشکال جدیدة للشعر المرسل والحر. کما التفتت إلى الإبداع فی الأجناس الشعریة غیر الغنائیة لاسیما عند أبی شادی، ومهدت الطریق لظهور مجلة وحرکة أخرى هی حرکة مجلة الشعر فی بیروت (1957م).

 بالإضافة إلى ماترکه لنا شعراء هذه الجماعة من دواوین ومجموعات شعریة، تبدو فیها النزعة الرومانسیة هی الأقوى مضموناً وشکلاً وانفعالاً، فإن مجلة أبولو التی کانت تنشر على الملأ قصائدهم وأفکارهم، کانت المنبر الذی التفّ حوله الشعراء من العواصم العربیة والمنارة التی نشرت إشعاعاتهم.

 ومجلة أبولو تعد وثیقة فنیة تاریخیة فکریة لهذه الحرکة، التی لم تعمّر طویلاً، لکنها شعریًا کانت أکثر تأثیرًا من حرکة الدیوان التی عاقتها عن النمو الشعری هیمنة العقاد مُنظِّرًا وقائدًا، وارتبطت إنجازاتها بالنقد أکثر مما ارتبطت بالشعر، وغرَّبت عنها عبدالرحمن شکری الذی ینسجم شعره مع شعر الجیل الثانی لحرکة أبولو.

وبرز دور الشاعر بوصفه فنانًا فی حرکة أبولو، کما برزت أهمیة التجربة النفسیة والوجدانیة فی عملیة الإبداع الشعری لا محاکاة نماذج القدماء. وتحوّلت قضایا الشعر من قضایا المجتمع إلى قضایا الذات، واستکشف بعض شعراء الجماعة لغة شعریة جدیدة متماسکة أکثر صفاءً ونقاءً من شعر التقلیدیین وأغراضهم الشعریة الموروثة.

مدرسة المهجر

 بدأ آلاف المهاجرین العرب من الشام (سوریا ولبنان وفلسطین) مع بدایة النصف الثانی من القرن التاسع عشر المیلادی رحلتهم الطویلة إلى بلاد المهجر (أمریکا الشمالیة وأمریکا الجنوبیة)؛ لأسباب اقتصادیة وسیاسیة فی المقام الأول. فقد کانت بلاد الشام ولایة عثمانیة تتعرض لما تتعرض له الولایات العربیة الأخرى تحت الحکم الترکی من تعسّف الحکّام وسوء الإدارة. وأما من کانوا یعارضون سیاسة التتریک العثمانیة، ویجاهدون للإبقاء على الهویة العربیة، فنصیبهم الاضطهاد والمعتقلات.

 وقد ازدادت الأوضاع السیاسیة سوءًا عندما قرَّرت الدول الأوروبیة الکبرى مواجهة الدولة العثمانیة، واقتسام أملاکها شیئًا فشیئًا، فانحازت کل دولة إلى فرقة أو طائفة على حساب أمن الشام واستقراره. فاشتعلت الفتن الطائفیة والدینیة وحدثت مذابح کثیرة، وساءت الأحوال الاقتصادیة فی بلاد کثیرة السکان ضیِّقة المساحة، وهلکت المحاصیل الزراعیة بالأوبئة والحشرات، إضافة إلى ارتفاع الضرائب المفروضة على المزارعین وأصحاب المتاجر الصغیرة. وهکذا فکر عدد کبیر من السکان بالهجرة، وتطلعت أبصارهم إلى الغرب وإلى الأمریکتین بخاصة، فقد سمعوا عنها وعما تتمتع به من ثراء وحضارة وحریة، وذلک من خلال جمعیات التنصیر ومدارسه التی تعلم فیها بعض منهم. وقد شجعهم ذلک على الهجرة عن بلادهم وأهلیهم، علهم یطمئنون على أرواحهم وأنفسهم ویصیبون شیئًا من الثراء فی جو یسوده الأمان والحریة والرخاء.

 انقسمت قوافل المهاجرین إلى العالم الجدید إلى قسمین؛ قسم قصد الولایات المتحدة الأمریکیة واستقر فی الولایات الشرقیة والشمالیة الشرقیة منها، وتوجه القسم الآخر إلى أمریکا الجنوبیة وبخاصة البرازیل والأرجنتین والمکسیک.

 وجد المهاجرون عناءً وتعبًا، فلم یکن الحصول على لقمة العیش سهلاً، کما ظنوه وکما زُیّن لهم، ولکنهم وجدوا فی بیئتهم الجدیدة من الحریة ما ساعدهم على ممارسة إبداعهم الأدبی، کما أن شعورهم بالغربة وحنینهم إلى الوطن البعید، وخوفهم على لغتهم وهویتهم العربیة من الضیاع، فی مجتمعات یبدو کل شیء فیها غریبًا عنهم، جعلهم یلتفون حول بعضهم بعضًا، ودفعهم إلى تأسیس الجمعیات والأندیة والصحف والمجلات؛ یلتقون فیها ویمارسون من خلالها أنشطتهم، وظهر من بینهم الشعراء والأدباء الذین نشأت بهم مدرسة عربیة أدبیة مهمة هناک، سمیت بمدرسة المهجر، أسهمت مساهمة مقدرة فی نهضة الأدب العربی الحدیث. وقد انقسمت مدرسة المهجر إلى مدرستین هما:

 

الرابطة القلمیة

 إحدى الجمعیات الأدبیة التی أسسها مهاجرو الشام فی أمریکا الشمالیة فی نیویورک (1920م)، وکان الشاعر جبران خلیل جبران، وراء فکرة تأسیسها، فترأسها وأصبح أبرز أعضائها. وقد ضمّت الرابطة إلى جانب جبران کلاً من الأدباء: ندرة حداد، وعبد المسیح حداد، ونسیب عریضة، ورشید أیوب، ومیخائیل نعیمة، وإیلیا أبو ماضی، وولیم کاتسفلیس، وودیع باحوط، وإیلیا عطاء الله.

 استمر نشاط الرابطة الأدبی عشرة أعوام، وکان أعضاؤها ینشرون نتاجهم الأدبی فی مجلة الفنون التی أسَّسها نسیب عریضة، ثم فی مجلة السائح لعبد المسیح حداد. وقد توقف هذا النشاط بوفاة جبران وتَفَرُّقِ أعضائها؛ إما بالوفاة وإمَّا بالعودة إلى الوطن.

 

کان هدف الرابطة القلمیة هو بث روح التجدید فی الأدب العربی شعرًا ونثرًا، ومحاربة التقلید، وتعمیق صلة الأدب بالحیاة وجعل التجربة الکتابیة تنفتح على آفاق أوسع مما کانت تدور حول فلکه من النماذج القدیمة فی الأدب العربی.

 ویبدو أن أدباء الرابطة القلمیة قد حققوا الکثیر من أهدافهم، وقد ساعدهم على ذلک ما کان یجمع بین أعضائها من تآلف وتشابه فی المیول والاهتمامات، إضافة إلى المناخ الحر الذی کانوا یتنفسون أریجه، وما کان یعج به من أحدث التیارات الفکریة والاتجاهات الأدبیة آنذاک.

 

العصبة الأندلسیة

تأسست عام 1932م فی ساو باولو بالبرازیل، ولعل السبب فی هذه التسمیة هو الجو الأسبانی الذی یطبع الحیاة العامة فی أمریکا الجنوبیة، وکأنه قد أثار کَوَامنَ الشجن فی نفوس هؤلاء المهاجرین وأعادهم إلى ذکریات العرب أیام مجدهم بالأندلس. تبنَّى الشاعر شکرالله الجرّ فکرة التأسیس، فاجتمع عدد من الشعراء والمهتمین فی منزل میشیل المعلوف لهذا الغرض، وحضر الاجتماع الأعضاء المؤسسون وهم: شکرالله الجر، میشیل المعلوف، نظیر زیتون، حبیب مسعود، إسکندر کرباح، نصر سمعان، داود شکور، یوسف البعینی، حسنی غراب، یوسف أسعد غانم، أنطون سلیم سعد، ثم انضم إلیهم فیما بعد عدد من الشعراء والکتاب. وتولى رئاستها میشیل المعلوف. وظل أعضاؤها ینشرون إنتاجهم الأدبی فی مجلة الأندلس الجدیدة لصاحبها شکرالله الجر لمدة عام، ثم صدر العدد الأول من مجلة العصبة الأندلسیة، عام 1934م، وتولى حبیب مسعود رئاسة تحریرها. وقد استمرت هذه المجلة فی الصدور حتى عام 1960م، وتخلل ذلک فترة انقطاع من عام 1941م إلى عام 1947م.

 

لا تختلف أهداف إنشاء العصبة الأندلسیة عن أهداف الرابطة القلمیة کثیرًا، فهناک رغبة مشترکة فی الحفاظ على اللغة العربیة، وبث روح التآخی والتآزر بین الأدباء فی المهجر، وجمع شملهم، ورعایتهم، وتسهیل نشر إنتاجهم فی المجلة أو من خلال المجموعات والدواوین الشعریة، وإقامة جسر حی بین هذا الأدب ونظیره فی الوطن العربی الکبیر، خصوصًا بعد توقف نشاط الرابطة القلمیة. غیر أن تواضع البیئة الثقافیة التی عاش فیها أدباء المهجر الجنوبی وعدم وجود شخصیة مثل شخصیة جبران بینهم، ووجود تباین فی ثقافة أعضائها ونزعاتهم واهتماماتهم وانتماءاتهم الفکریة والوطنیة، وتبنی سیاسة مرنة فی النشر فی المجلة؛ جعل أدب المهجر الجنوبی، فیما عدا استثناءات قلیلة، أدبًا تقلیدیًا مقارنة بأدب المهجر الشمالی، وقد عاب أدباء الشمال هذه التقلیدیة على أدباء الجنوب.

 وأیًا کان الحال، فإن الأدب العربی فی المهجر الشمالی والجنوبی، بثرائه، واتساع آفاقه؛ نتیجة تفرد تجربته وظروف مُبْدِعِیهِ، یظل جزءًا مهمًّا وفاعلاً فی دائرة الإبداع الأدبی المعاصر.


مدرسة أبولو وأثرها فی الشعر العربی الحدیث

مدرسة أبولو وأثرها فی الشعر العربی الحدیث

 

شهد الثلث الأول من القرن العشرین میلاد حرکات أدبیة جدیدة فی بعض البلاد العربیة، وفی المهجر الأمریکی هدفت إلى الارتقاء بمستوى الأدب العربی. ولاسیما الشعر، وتخلیصه من قیود الصنعة والتقلید والمحاکاة التی ارتکس فیها طوال القرون الوسطى، وتوجیهه للتعبیر عن مشاهد الطبیعة، وصور الحیاة، والعواطف الإنسانیة فی لغة جمیلة، وتعبیر حی مؤثر، یزخر بالخیال البدیع والصور الأدبیة المبتکرة.

وسلکت فی تحقیق ذلک طریقین:

1 ـ دراسة الآثار الأدبیة والنقدیة العربیة القدیمة فی عصور الابتکار والتجدید، واستخلاص القیم الشعوریة والجمالیة والتعبیریة.

2 ـ ترجمة الآثار الأدبیة والنقدیة المتمیزة من اللغات الأخرى، ودراستها، وتوظیفها فی ابتکار نظریات أدبیة ونقدیة تزود مسیرة الحیاة الأدبیة بالصالح المفید.

وقد لاحت فی سماء هذه الحرکات الأدبیة المجددة معارک نقدیة عکست کثیراً من الآراء والاتجاهات، وأسهمت فی دفع عجلة الأدب إلى الأمام، وزودته بمقاییس جدیدة، وأصبح ینظر إلى الأثر الأدبی من حیث قدرته على التأثیر والإیحاء، وترجمته للمشاعر والانفعالات الإنسانیة.

ومن هذه الحرکات جمعیة أبولو أو مدرسة أبولو التی أتت بعد مدرسة الدیوان التی أنشأها العقاد والمازنی وشکری بأکثر من عشر سنوات.

والفضل فی إنشاء هذه الجمعیة أو المدرسة یعود إلى الشاعر الأدیب أحمد زکی أبی شادی (1892 ـ 1955م) الذی لم تصرفه اهتماماته العلمیة عن الأدب، والتفکیر فی إنشاء مدرسة تحتضنه وتهتم به.

وقد أعلن أبو شادی میلادها فی القاهرة فی شهر سبتمبر عام 1932م، وصدرت عنها مجلة تحمل اسمها، وتنشر أدبها، وتذیع أفکارها وآراءها، هی مجلة (أبولو).

وفی افتتاحیة العدد الأول من أعدادها کتب أبو شادی یقول: "نظراً للمنزلة الخاصة التی یحتلها الشعر بین فنون الأدب، ولما أصابه، وأصاب رجاله من سوء الحال، بینما الشعر من أجل مظاهر الفن لم نتردد فی أن نخصه بهذه المجلة، التی هی الأولى من نوعها فی العالم العربی، کما لم نتوان فی تأسیس هیئة مستقلة لخدمته، هی جمعیة أبولو، حبا فی إحلاله مکانته السابقة الرفیعة، وتحقیقا للتآخی والتعاون المنشود بین الشعراء، وقد خلصت هذه المجلة من الحزبیة، وتفتحت أبوابها لکل نصیر لمبادئها التعاونیة الإصلاحیة...".

وتضمن العدد الأول دستور الجمعیة ونظامها وأغراضها، ویهمنا هنا ذکر الأغراض التی تمثلت فی ثلاثة أمور:

1 ـ السمو بالشعر العربی وتوجیه جهود الشعراء توجیها شریفاً.

2 ـ ترقیة مستوى الشعراء أدبیاً واجتماعیاً ومادیاً، والدفاع عن صوالحهم (مصالحهم) وکرامتهم.

3 ـ مناصرة النهضات الفنیة فی عالم الشعر.

وحیا شوقی الجمعیة والمجلة بقوله:

أبولُّلو، مَرْحباً بِکِ یا أبولو

فإنکِ من عُکاظِ الشِّعرِ ظِلُّ

عُکاظُ، وأنتِ للبلغاءِ سُوقٌ

على جنباتِها رحلوا وحَلُّوا

عَسى تأتینَنَا بمعلقاتٍ

نروحُ على القدیمِ بها نُدِلُّ

لعلّ مواهباً خِفیتْ وضاعَتْ

تُذاعُ على یَدَیْکِ وتُسْتغَلُّ

وأسندت الجمعیة ریاستها إلى أحمد شوقی اعترافاً بأستاذیته وریادته فی دنیا الشعر، وعقدت أول اجتماع لها فی منزله ( کرمة ابن هانئ ) یوم الاثنین 10/10/1932م، قبل وفاته بأربعة أیام فقط، وأخذت صورة تذکاریة للمجتمعین بدا فیها شوقی یتوسط الحضور.

وتولى ریاستها بعد شوقی خلیل مطران (1871 ـ 1949م) الذی لقب بشاعر القطرین، ثم بشاعر الأقطار العربیة واستقطبت الجمعیة عدداً کبیراً من الأدباء والشعراء فی مصر وغیرها، أذکر منهم مصطفى صادق الرافعی، وأحمد محرم، وإبراهیم ناجی، وعلی محمود طه (شاعر الجندول) وکامل کیلانی، وأحمد ضیف، وأحمد الشایب، ومحمود أبو الوفاء، وحسن کامل الصیرفی، وصالح جودت.

وکانت جلساتها حافلة بالمناقشات الأدبیة والنقدیة الرامیة إلى البحث فی أنجع السبل لتطویر الأدب، ولاسیما الشعر، باعتباره أداة فنیة تعبر عن روح الفرد والجماعة.

وأصبحت مجلتها ملتقى لإنتاج کثیر من الشعراء والکتاب والنقاد فی مصر وخارجها، فنشرت لشوقی، ومطران، ومحرم، والعقاد، والرافعی وزکی مبارک، ومحمد الأسمر، وإبراهیم ناجی، وعبدالحمید الدیب، وسید قطب، ومحمد عبدالمعطی الهمشری، ومحمود غنیم، وأبی القاسم الشابی، ومحمد مهدی الجواهری، والتیجانی یوسف بشیر، وإیلیا أبی ماضی، وإلیاس أبی شبکة، وآل المعلوف. واستمرت المجلة فی الصدور حتى شهر دیسمبر عام 1934م.

وعلى الرغم من أن عمرها لم یتجاوز سنتین وبضعة أشهر فإنها أثرت فی الأدب العربی الحدیث تأثیراً کبیراً، تمثل فی القصائد والدراسات الأدبیة والنقدیة التی تولت نشرها، ذکر أنها نشرت أکثر من سبعمائة قصیدة، وأربعمائة دراسة تحلیلیة ونقدیة، بالإضافة إلى تخصیص عددین لإحیاء ذکرى شوقی وحافظ.

واحتضنت الجمعیة إصدار عدد من دواوین أعضائها وکتبهم منها دواوین: الینبوع، وأطیاف الربیع، وفوق العباب لأحمد زکی أبی شادی، ودیوان الغمام لإبراهیم ناجی، والألحان الضائعة لحسن کامل الصیرفی، وکتاب أدب الطبیعة لمصطفى عبداللطیف السحرتی.

ویتضح من أعضاء الجمعیة ومن کتاب المجلة وشعرائها أنّ الجمعیة لا تفرق فی قبول عضویتها والانتساب إلیها بین المقلد والمحافظ والمجدد، ومن یقف وسطاً بین التقلید والتجدید.

ولذلک أنکر بعض الدارسین أن یطلق علیها مدرسة; لأنها تضم أدباء وشعراء لا یخضعون لتیار أدبی واحد، وأصروا على تسمیتها بالجماعة أو الجمعیة، کما نلاحظ عند الدکتور عبدالعزیز الدسوقی فی کتابه (جماعة أبولو وأثرها فی الشعر الحدیث). وأرى أن إطلاق المدرسة علیها جائز إذا نظرنا إلى أثرها فی تطویر القصیدة الشعریة والتجدید فی بنائها الفنی والداخلی، واحتضانها لمواهب الشعراء الشباب وتنمیتها، والاتجاه إلى تشجیعهم بنشر إنتاجهم، ووضع أهداف محددة سارت على نهجها.

ومما ینبغی أن یشار إلیه أن العقاد لم یکن على وفاق مع مدرسة أبولو، وحینما کتب ما کتب فی عدد المجلة الأول لم یکن مشیدا ولا مادحاً، بل کان مفنداً ناقداً.

انتقد تسمیة الجمعیة بهذا الاسم الیونانی (أبولو)، واقترح اسم (عطارد) بدیلاً عنه.

کتب یقول: "مساهمتی فی تحریر العدد الأول من مجلة أبولو ستکون نقداً لهذه التسمیة التی لنا مندوحة عنها فیما أعتقد، فقد عرف العرب والکلدانیون من قبلهم، رباً للفنون والآداب أسموه عطارد، وجعلوا له یوماً من أیام الأسبوع وهو یوم الأربعاء ، فلو أن المجلة سمیت باسمه لکان ذلک أولى من جهات کثیرة، منها أن أبولو عند الیونان غیر مقصور على رعایة الشعر والأدب، بل فیه نصیب لرعایة الماشیة والزراعة، ومنها أن التسمیة الشرقیة مألوفة فی آدابنا ومنسوبة إلینا.. وکذلک أرى أن المجلة التی ترصد لنشر الأدب العربی والشعر العربی لا ینبغی أن یکون اسمها شاهداً على خلو المأثورات العربیة من اسم صالح لمثل هذه المجلة، وأرجو أن یکون تغییر هذا الاسم فی قدرة حضرات المشارکین فی تحریرها".

ورد علیه أحمد زکی أبو شادی، وذکر أن الجمعیة استعرضت عدة أسماء للمجلة قبل اختیار اسم أبولو، ولم تنظر إلیه کاسم أجنبی، بل کاسم عالمی محبوب، وأنه لا انتقاص للمأثورات العربیة، وأن النقل عن الکلدانیین لیس أفضل من النقل عند الإغریق.

ولکن العقاد لم یقتنع بما قاله أبو شادی، أو أنه أراد ألا یقتنع; لأن الجمعیة تضم أدباء وشعراء لا یرتاح إلیهم العقاد، وفی مقدمتهم رئیسها شوقی، فوقف منها هذا الموقف الذی تحول فیما بعد إلى سجال نقدی بینه وبین بعض الأدباء المنتسبین إلى الجمعیة، کرمزی مفتاح طبیب الأسنان الذی جمع مقالاته النقدیة فی العقاد وأصدرها فی کتابه (رسائل النقد.

وإذا تجاوزنا هذا الأمر، ونظرنا إلى الأسس الفنیة والأدبیة التی قامت علیها المدرسة أو الجمعیة فسنجد أنها دعت إلى الأعمال الأدبیة الصادقة التی تعبر عن التجارب الشعوریة فی صور موحیة، وإلى الوحدة العضویة فی القصیدة، وإلى الیسر فی التعبیر والأفکار والأخیلة، والتحرر من القوالب والصیغ المحفوظة، والابتعاد عن التکلف والافتعال، والتغنی بالطبیعة والریف الساحر، وظهور الشخصیة الأدبیة.

وقد لاقت دعوتها قبولاً فی أوساط الشعراء الذین انتسبوا إلیها وعاشوا فی ظلها، وتابعوا إنتاجها وبخاصة عند کوکبة من الشعراء المتمیزین کأبی شادی، وأبی القاسم الشابی، وإبراهیم ناجی، وحسن کامل الصیرفی، وإیلیا أبی ماضی. وانفرط عقد المدرسة برحیل رائدها الأول أبی شادی إلى المهاجر الأمریکی عام 1946م، بعد أن ضاقت به سبل الحیاة والعیش فی مصر، وأوذی من بعض المنتسبین إلى الأدب.

وأنشأ الشاعر الطبیب إبراهیم ناجی على أنقاض مدرسة أبولو (رابطة الأدباء)، واستمرت حتى وفاته عام 1953م، ثم غیر اسمها إلى رابطة الأدب الحدیث، وأسندت ریاستها إلى الناقد مصطفى عبداللطیف السحرتی (1320 ـ 1403هـ = 1902 ـ 1983م)، حتى وفاته، ثم تسلم الرایة من بعده الأستاذ الدکتور العلامة محمد عبدالمنعم خفاجی، ولا یزال حتى إعداد هذا الکتاب للنشر مشرفاً علیها، حفیّا بها.

 

المصادر:

1 ـ مدرسة أبولو الشعریة ـ رابطة الأدب الحدیث.

2 ـ جماعة أبولو وأثرها فی الشعر الحدیث ـ عبدالعزیز الدسوقی.

3 ـ دراسات فی الأدب العربی الحدیث ومدارسه ـ محمد عبدالمنعم خفاجی.

4 ـ قضایا الشعر المعاصر ـ أحمد زکی أبو شادی.

 

 

 


>