<> قصیدة النثر - الادب العربي

الادب العربي

قصیدة النثر

قصیدة النثر

1

بالرغم من کثرة ما کُتِب عن قصیدة النثر, لا بد من الإشارة إلى أن النصوص النقدیة التی حاولت تناول هذا المصطلح, لم ترقَ إلى مستوى الانغماس الحقیقی مع طبیعة هذا الجنس الأدبی و هویته, فجاءت النصوص النقدیة إما بشکل یأخذ طابع الحماس لهذه التجربة, أو طابع العداء له, من هنا و بسبب هذه الإشکالیات, وجدنا نفسنا مضطرین لبعض التوضیح, لأن مفهوم قصیدة النثر بوحدتیها (مصطلح / معنى) یعتبر من أهم الإشکالیات التی ساقت العدید من الأقلام فی صفحات الأدب العربی الحدیث.

و مع أن هذا النوع الجدید للنسیج الأدبی الذی اقتحم الساحة الشعریة، و فرض هیمنته الفعلیة فی أواخر السبعینیات و أوائل الثمانینیات من القرن المنصرم - بحیث أصبح حتى المعارضون الشرسون لهذا النوع الشعری لا یجدون مصطلحاً لغویاً بدیلاً عن قصیدة النثر ینعتون به هذا الکائن الجدید الذی فرض حضوره بقوة - لکن الجدال مازال عن الهویة التی تمتلکها هذه القصیدة, فالمصطلح بشکله اللغوی جاء ترجمة ل Poetic Prose.

و أجدنی مضطراً لعدم الخوض فی عملیة إثبات لوجود هذا الکائن الأدبی, و الذی لا تخلو مجلة أو کتاب عن الإشارة لهذا الجنس الأدبی الجدید, بنعته کمصطلح متعارف علیه و هو (قصیدة النثر).

لکننا سنحاول الدخول فی تاریخ هذا الجنس الأدبی و طبیعته و هویته.

- لمحة تاریخیة:

مع أواخر القرن التاسع عشر و بدایات القرن العشرین, و مع التطور الهائل الذی تعرضت إلیه البشریة فی العالم, کان لا بد من أن تتفاعل منظومة الثقافة العربیة مع تلک التغیرات التاریخیة, و کان لا بد من إیجاد صیغ معرفیة للدلالة على نتاجات لم تتم صیاغتها ضمن هذه المنظومة, کذلک کان لا بد من إیجاد طریقة للمثاقفة مع الآخر فی ظل ثورة حقیقیة بدأت تقرب المسافات الجغرافیة.

وفی ظل الحرکة الأدبیة الموجودة کجزء من هذه المنظومة الثقافیة, بدأت هذه الحرکة بالانخراط ضمن هذه التغیرات بخطوات تعثریة تارة و جدیة تارة أخرى.

و بدأ القارئ العربی بالاطلاع على منتجات أدبیة بمصطلحات جدیدة فی الساحة الأدبیة العربیة (مسرح – قصة – روایة – و آخرها قصیدة النثر) لکن الملفت للنظر أن الأشکال الأخرى للأدب - عدا قصیدة النثر – لم تلقى التشنج من قبل المتلقی العربی کما لاقاه هذا الجنس الأدبی, و الذی اصطلح فیما بعد على تسمیته بقصیدة النثر, على الرغم من أن تلک الأجناس کانت من الجدة ما تفوق قصیدة النثر کالمسرح مثلاً.

و الأسباب الکامنة لهذا التشنج تعود فی رأینا لما یلی:

1 – الإرث التاریخی الثقافی للمنطقة بشکل عام:

حیث أن تاریخ الثقافة العربیة من الجاهلیة و حتى تاریخ الثورة الثقافیة السابقة الذکر, کان فی أغلبها مستندة على بنیة القصیدة الشعریة الموزونة ذو الشطرین بطریقة أو بأخرى, حتى أنه سمی الشعر بدیوان العرب و کان الشعر یوازی اللغة کقیمة وظیفیة فی نقل الحاضر نحو المستقبل.

مثلاً نجد أن الجوائز الأدبیة و التقریب من الحاکم کان فی جلها تُرصَد لکتّاب الشعر, بینما النثر فی کل أشکاله أعتبر کنمط أدبی من الدرجة الثانیة.

و إن الاقتراب من هذه الذاکرة الکبیرة, و محاولة تطعیمها بما هو جدید, لهو أمر فی غایة الصعوبة, و إننا نعتبر هذا التشنج مبرراً من الناحیة العاطفیة الاجتماعیة, لکن لا یمکن استهجانه من الناحیة الثقافیة المعرفیة, فالمثاقفة أمر لا بد منه, حتى أننا فی هذا العصر نکاد لا نستطیع التعبیر عما نرید بدون الرجوع إلى المصطلحات المعرفیة التی وردتنا من الغرب

2 – قصیدة النثر کانت کغیرها من الأجناس الأدبیة:

لقد جاءت قصیدة النثر فی لحظة بدت و کأنها ثورة على ثورة, فالجدال عن مفهوم قصیدة التفعیلة کان مازال فی بدایاته, جاءت قصیدة النثر و کأنها تعلن نفسها البدیل لکل ما سبق, من هنا کانت الصدمة أکبر من أن تستوعب.

3 - إقحام الدین من قبل بعض الکتاب:

إن بعض المهتمین بهذا المجال قام بإقحام الدین الإسلامی, من خلال المقاربة مع کتاب الله عزّ و جل – القرآن الکریم – على أن البذور الأولى لقصیدة النثر تتجلى فی کتاب الله عزّ و جل, و الفهم الخاطئ لهذه المقاربة. بالإضافة لما شاع عن قصیدة النثر من مفاهیم تتضمن الهدم للإرث التاریخی, و الدین الإسلامی باعتباره الحجر الأساس فی ذلک الإرث الکبیر, تخوف بعض رجالات الدین من أن تطال مساحة الحریة الممنوحة لهذه القصیدة ذلک الإرث.

4 – المعرکة التی حاولت إسناد قصیدة النثر لم تکن معرکة شعریة

إن مدافعی قصیدة النثر فی الأغلب کانوا من الأیدلوجیین و المعارک الناشبة کانت فی أساسها معارک ایدلولجیة بین من یحمل أفکاراً ثوریة ترید إقصاء الماضی و استبعاده من الذاکرة العربیة و بین أیدلوجیات تحاول الإبقاء على التراث و کانت قصیدة النثر الملعب الذی تتم فیه تلک المعارک.

- هویة قصیدة النثر من خلال سرد تاریخی لتطوره 2:

ذهب بعض النقاد إلى إحالة قصیدة النثر کصنف غربی خالص, أتى إلینا فی مطلع القرن الماضی من خلال بعض الرواد المتأثرین بشعراء الحداثة الغربیین, أمثال ت.أس.الیوت الإنکلیزی و رامبو الفرنسی, و اعتبروه دخیلاً على الشعر العربی و یجب استئصاله, کونه یؤدی إلى نسف الذاکرة العربیة, و هدم أسسها المعرفیة.

لکن سنحاول من خلال جولة سریعة تاریخیة دراسة بذور قصیدة النثر فی التراث العربی.

1 – فن المقامات

فن انتشر فی القرن الرابع للهجری, و هو عبارة عن مآلفة بین الشعر و النثر, مستنداً على لغة أدبیة خاصة, تعتمد على النزوع إلى الأطناب و الإکثار من الجمل المترادفة و التزام السجع للحفاظ على التوازن الصوتی الخاص بالمقامة, و أهم من یمثلون هذا العصر: (بن العمید والصاحب بن عباد وبدیع الزمان الهمذانی وأبی عامر بن شهید وأبی بکر الخوارزمی).

و استمر هذا الأسلوب الخاص حتى مطلع القرن الماضی لدى المویلحی، فی (دیث عیسى بن هشام) ولدى أحمد شوقی فی (واق الذهب).

و فن المقامة تنهل من الطرفین النثری و الشعری معاً, فهو فن نثری شعری, و قد أطلق علیه صفة النثر الفنی, ففیه من الإیقاع ما یقارب الشعر, لکنه لا یصله من حیث الوزن و القافیة و الشطرین الذین أحاطوا بمفهوم القصیدة آن ذاک.

2 – النثر الشعری لدى الصوفیین:

کحرکة موازیة لحرکة المقامات الآنفة الذکر ظهرت حرکة أکثر عمقاً و أکثر تعقیداً لکنها مهمشة و ضائعة آن ذاک بسبب المناخ السیاسی السائد حینها, و هی النثر الشعری للصوفیین و نجدها فی طواسین الحلاج، ومواقف النفری، ومخاطباته والإشارات الإلهیة للتوحیدی، حیث نشهد ثورة باللغة على اللغة لتأسیس مشهد جدید، یکشف عن تجارب روحیة هادرة تنزع للتحرر.

3 – النثر الشعری الرومانسی:

ظهرت فی مطلع القرن العشرین تجارب تحاول محاولة جادة فی أن تغرف من الشعر فی أسلوب الکتابة النثریة, و کان أهم من مثل هذه المدرسة (بران خلیل جبران وأمین الریحانی والرافعی، وأحیانا کثیرة لدى المنفلوطی والزیات وطه حسین).

4 – الشعر المنثور:

و هی مرحلة تعتبر کمرحلة نضج للنثر الشعری الرومانسی و امتداداً له, و هنا نجد أن التجربة تقترب کثیراً من قصیدة النثر، لا فی شکله الظاهری فحسب، إنما فی نظامه الإیقاعی الداخلی والخارجی وما یفرضه هذا النظام من هیمنة على البناء النحوی الخاص بشعریة النص، و کبدایة لذلک نجد (قصیدة المساء 1902 لخلیل مطران و مرثیته التی أنشدها فی حفلة تأبین الشیخ إبراهیم الیازجی، بعنوان شعر منثور 1906، وما کتبه أمین الریحانی اعتبارا من سنة 1907، ثم ما کتبه جبران).

5 – بدایات مفهوم قصیدة النثر 3:

تظهر فی جماعة أبوللو فی مصر التی أسست مجلة سمیت بنفس الاسم فی أیلول عام 1932 هذه الجماعة بدأت بتأسیس المفاهیم الأولیة لقصیدة النثر, لکن ما کان یعیب علیهم تأثرهم الأعمى بالقصیدة النثریة التی وفدت من الغرب, و التجارب السریالیة و الدادئیة التی اتخذوا منها نبراساً لتجاربهم.

6 – توطید مفهوم قصیدة النثر:

بدأت التجارب الجادة لبلورة مفهوم قصیدة النثر لدى جماعة شعر فی سوریة (دونیس - أنسی الحاج..إلخ)

حیث أخذت قصیدة النثر تفرض نفسها کجنس أدبی جدید, لها میزاتها و لغتها الشعریة و اصطلاحاتها اللغویة, معتمدین على تجارب من التراث العربی, وأخص بالذکر الشاعر الکبیر أدونیس, حیث نظّر لهذا المفهوم بالإضافة لما کتب.

إذاً

من خلال هذا السرد التاریخی الموجز, لا نجد قصیدة النثر نشازاً, أو ورماً خبیثاً فی جسد الشعر العربی, إنما تطوراً طبیعیاً لما کان فی الماضی, مع مرور بحالات جمود و سکینة, نتیجة الظروف التاریخیة التی تعرضت لها المنطقة بشکل عام, و لیس دخیلاً على الشعر العربی أو غریباً عنه, بل حرکة تجدید و تطویر طبیعیتین لأی منتج أدبی, فهو لم یکن کما المسرح مثلاً, إذ أن الثقافة العربیة لم تسمع بهذا المصطلح قبل قرن و نصف تقریباً.

مفهوم قصیدة النثر:

سنقوم بإیجاز شدید للإحاطة و لو بشکل مختصر بتعریف هذا الجنس الأدبی الذی شکل ثورة فی اللغة على کل المستویات صیاغة و ترکیباً, و فتح آفاقاً جدیدة أمام الکلمة, و ارتأینا لتوضیح هذا المفهوم بالقیام على شرح لبعض المفاهیم و ذلک لفهم وشرح هذا الجنس الأدبی الخاص, و سنقوم فی البدایة بشرح لمفهوم الشعر و شرح مفصل لمفهوم الإیقاع لما فیه من غموض, و علاقته بشکل أو بآخر للمعارک التی نشبت بین الشعراء قدیمهم و حدیثهم.

مفهوم الشعر:

هذه الکلمة التی ربما إلى الآن - بالرغم من التعریفات الکثیرة التی أحاطت بهذا المفهوم الغامض (لسهل الممتنع) - لم یستطع الکتّاب وضع صورة نهائیة لها, و السبب فی رأینا عائد إلى کون الشعر أقرب الفنون إلى اللاشعور, فهو:

أصدق ترجمة لحظیة للاشعور المتدفق فی لحظة انفعالیة أقرب إلى اللاوعی منها إلى الوعی لکن لیس هو الإحساس أو التجربة أو الانفعال بل هو الصیاغة اللغویة النهائیة التی تروض الانفعال للمعنى و الغایة الأساسیة منها إعطاء دفقة شعوریة, مهمتها الأولى إرجاع السکینة للأنا المزدوجة (نا الکاتب و المتلقی) نتیجة تعرض تلک الأنا لحالات قلق متأتیة أصلاً نتیجة وضعها أمام العدم, بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.

و الفرق الجوهری بین أنا الکاتب و المتلقی, هو أنّ الکاتب یتعرف على بقعة القلق الخاصة به قبل هذه الدفقة الشعوریة, بینما لدى المتلقی تأتی بعد استقبال هذه الدفقة.

و بهذا یکون الشعر وسیطاً لنقل القلق بین الکاتب و المتلقی باتجاه واحد و هو (تب متلقی), و یتم ذلک من خلال فهم متبادل للشعور بین الکاتب و المتلقی بأدوات لها قدرة على حمل و إیصال هذه الدفقة الشعوریة.

فالشعر بهذا المعنى هو صورة اللغة الانفعالیة هذا الانفعال الذی یقوم على خلخلة اللغة کی یفتح أمامها فضاء دلالیاً جدید

وإن الأفکار أو الصور الرائجة فی الثقافة التی أنتجت النص، تتحول عن حالة البداهة، والانتظام والنسقیة النثریة التی تکون علیها فی میدان الفکر والمعرفة العامة، إلى حالة الخلخلة والتشکیک أحیانا، فی نظام آخر، هو النظام الشعری

و إذا کان المفکر ینزع نحو المعرفة البدیهیة التی بها یستکشف الحقیقة، فإن الشاعر وهو یؤسس القصیدة فإنه ینزع نحو معرفة تمکنه من تلمس تداعیات الحقیقة، فالأفکار عنده تصبح شکلا من أشکال العمل التخیلی، وهنا لا تضحی البداهة دلیلا على قوة الأفکار کما هو شأن المفکر، یل استجلاء الصورة المتخیلة التی تنصهر بالأفکار المتداعیة هو الدلیل على قوة القصیدة الشعریة

فالشعر هو معرفة الظهور بوصفها اکتشافا لمناطق من الکینونة ما تزال مجهولة

وذهب بودلیر إلى اعتبار "الشعر تجاوزا للواقع العینی، فهو لیس حقیقة کاملة سوى ضمن عالم مغایر وأخروی" (15). ویقول جوزیف جوبیر "إن الشاعر یعرف ما یجهله

فالشعر تساؤل یرید جواباً بینما الفکر و العلم هی أجوبة على تساؤلات مطروحة

و تعتبر اللغة العلمیة مغایرة الغائیة لأنها تجد تأسیسها خارجها، فی حین تعتبر اللغة الشعریة ذاتیة الغائیة لأنها تجد غایتها داخلها

من هنا نجد أن الشعر مرتبط بالذات الفاعلة بالدرجة الأولى (ذات الکاتب و المتلقی), و بالحرکة بالدرجة الثانیة, فهی عبارة عن حرکة ذاتیة, و کما یشیر أدونیس فی أکثر من مناسبة أن الحرکة تعنی التجاوز أی الرفض و الهدم, و الرفض لیس بمعنى العدم, إنما الرفض المبنی على الرؤیا, و الرؤیا هی نوع من الاتحاد بالغیب یخلق صورة جدیدة للعالم أو یخلق العالم من جدید.

و یقول الناقد الفرنسی جان إیف تادیة " الشعر فضاء جدید "

و ربما الأسلوب أو القالب الذی یحمل هذا الانفعال الشعوری هو ما تم الاختلاف حوله, لکن مع الثورة التی سبق ذکرها و التی طالت بنیان اللغة, کان لا بد من توسیع مفهوم الشعر إلى مفهوم أشمل و أوسع من مفهوم الأوزان الخلیلیة, و هذا ما نحن بصدده.

- ما هو الإیقاع؟

هناک بعض الحقائق العلمیة الطبیة أردنا ذکرها کبدایة لشرح هذا المفهوم و هی 4:

حقیقة علمیة طبیة و مفادها " التنبیه المتناوب للتشکیلات الشبکیة الموجودة تحت السریر البصری فی الدماغ, تؤدی إلى زیادة فی إفراز المورفینات الداخلیة, و بالتالی إعطاء حالة استرخاء للجسد البشری, و الاستمرار فی هذا التنبیه یؤدی إلى النوم ".

من الحقائق الطبیة الأخرى " الاختلاف فی الأنماط الشخصیة تعود إلى التنوع الإیقاعی الذی یحیط بالشخصیة لا إلى المورثات "

فأی تنبیه غیر منتظم لا یمکن أن یؤدی فی النهایة إلى تغیرات فیزیولوجیة نفسیة فی الشخص المعرض لتلک التنبیهات.

" الإیقاع بکل أشکاله (لحواسی و اللاحواسی) - الحواسی و الذی یتم استنباطه من خلال الحواس الخمس و اللاحواسی الذی یتم استنباطه من خلال التفکیر – فی النهایة تؤدی إلى نفس التأثیرات فی الدماغ, من خلال إفراز لمادة تسمى بالسیرتونین, و التی تعتبر الوسیط للتنبیهات التی تتم فی البنى الشبکیة لما تحت السریر البصری, و هی ما أشرنا به فی الحقیقة الأولى "

هذه الحقائق الطبیة یمکن لمن یرید الاطلاع علیها الرجوع إلى أی مرجع طبی فی بحث (وار النوم و فیزیولوجیة الدماغ).

من خلال تلک الحقائق یمکن تقسیم الإیقاع إلى حواسی و لا حواسی, و تجاوزاً فی هذه الدراسة سنقوم بتسمیة الأخیر بالإیقاع الادراکی الفکری, و ذلک لأننی من خلال بحثی لم أجد أی مرادفة مناسبة تشیر إلى هذا النوع اللاحواسی و ذلک للتفریق بینهما.

و ندرج فیما یأتی أمثلة واقعیة لتأکید تلک الحقائق.

النشوة التی یصل إلیها المتصوفون فی حلقات الذکر, و التی تأتی بعد حالة إیقاعیة تشترک فیها کلا النوعین (لحواسی و الادراکی الفکری), تتطابق مع نشوة مدمنی المخدرات, و لمن یرید الاطلاع یستطیع أن یقارن بین الأعراض التی تصیب المتصوف فی لحظة التجلی, و الأعراض التی تصیب مدمنی المخدرات فی لحظات الانتشاء, و إن الإیقاع الصوتی لوحده إن حاولنا فصلها فی حلقات الذکر غیر کفیلة بإیصال المتصوف إلى تلک الحالة الآنفة الذکر.

التنویم المغناطیسی و هو الوصول إلى حالة من الاسترخاء و النوم نتیجة حالة إیقاعیة یأخذ الإیقاع البصری فیه الأولویة بجانب الإیقاع الادراکی الفکری.

هناک فی الطب ما یسمى بالتخدیر النفسی, و أثبت العلماء أنه یمکن إجراء العملیات من خلال هذا التخدیر, و هو یستند إلى إخضاع المریض لحالات إیقاعیة شدیدة تؤدی فی النهایة من خلال تفعیل حلقة السیرتونین إلى إفراز غزیر للمورفینات الداخلیة و بالتالی إلى التخدیر.

تغیر التأثیرات الإیقاعیة مع تغیر الحالة الفکریة للأشخاص, و قد أثبتته التجارب العملیة بکل فئاتها, فحالة إیقاعیة معینة یمکن لها أن تصل بشخص ما إلى حالة من الاسترخاء, بینما شخص آخر لو تعرض لنفس الحالة الإیقاعیة لن یصل إلى تلک الحالة, و هذا دلیل على تغیر فی التأثیرات الإیقاعیة بین شخص و آخر.

تتغیر المفاهیم الإیقاعیة الصوتیة بتغیر البنیة الإیقاعیة بشکلها الکلی 5 فهی فی تأثیر و تأثر مستمرین, وفی هذه الفقرة ندخل إلى صلب موضوعنا, فالقوانین التی استنبطها الفراهیدی ذات یوم, و التی أعنی بها البحور العروضیة, کانت متأثرة بشدة بالحالة الإیقاعیة التی تحدثها خطوات الجمال.

إذاً

الإیقاع متصل مباشرة بالدماغ عبر قنوات ادراکیة معینة, مهمتها الأساسیة کما أسلفنا السیطرة على الحالات الانفعالیة لدى الکائن البشری, و إن هذا الإیقاع و تأثیره على الدماغ مرتبط مباشرة بالحالة الفکریة المعرفیة لهذا الکائن أو ذاک.

و عندما نعلم أن قشر الدماغ و الذی یقوم بالسیطرة على کل التنبیهات الواردة إلى الدماغ من لجم أو زیادة تفعیل لهذه التنبیهات, و الارتباط المباشر بین القشر الدماغی و عملیات الذاکرة و التعلیم, نعلم مدى الارتباط الوثیق بین التعدیلات التی تتم لمختلف التنبیهات الواردة إلى الدماغ و ذلک بتغیر المخزون الفکری من شخص إلى آخر.

إذاً نحن أمام أمرین اثنین متغیرین, التنبیه و مستقبل هذا التنبیه و هما فی حالة تأثیر و تأثر بالبنیة الإیقاعیة الجمعیة و النتیجة النهائیة لتفاعل الاثنین یعطینا حالة شعوریة ما

بذلک یمکن الإجابة الآن على السؤال المطروح سلفاً و هو ما هو الإیقاع

1 – البنیة الإیقاعیة تعنی انتظاماً معیناً محسوساً أو مدرکاً و إن کان الإیقاع الصوتی أحد أهم الأنواع المدرکة حواسیاً أو فکریاً و ذلک لتجربة الأذن الطویلة فی الإدراک الإیقاعی

2 – لهذه البنیة مستویان مستوى ظاهر محسوس و مستوى باطن مدرک فکریاً 6

3 – المستوى الباطن أکثر تعقیدیاً نظراً لتوضعه المخفی (بالنسبة للمنبه و المستقبل للتنبیه) فی لاوعی الطرفین, و بما أنه من الصعوبة إدراکه کذلک من الصعوبة وضع قوانین له.

4 – ترتبط البنیة الإیقاعیة فی مستوییها الباطن و الظاهر بالبنى الکلیة المحیطة, و أخص بالذکر البنیة اللغویة فی مجالیها النظمی و الإیحائی و هی فی تأثر و تأثیر مستمرین.

5 – للإیقاع وظیفة مهمة و تکمن فی تنظیم وظائف الدماغ, و أکبر مثال علیها النوم الذی یعتبر السبیل الوحید لاستعادة الدماغ نشاطه من جدید, فهو یأتی فی شکل إیقاع فکری خالص من خلال التنظیم الدوری للحلم خلال النوم (وار النوم), بحیث أن الشخص عندما ینام یمر بأربع أو خمس أطوار متکررة, یمتد کل طور حوالی الساعتین, فی نهایة کل طور یتم استدراک الماضی من خلال عملیات فکریة معقدة و هو ما یسمى بالحلم, و ضمن الطور الواحد هناک تواتر لعملیات إیقاعیة فیزیولوجیة متشابهة فی کل طور.

و ربما یتساءل سائل أن الشخص لا یدرک سوى حلم واحد, و هذه أیضاً حقیقة, فلا یمکن تذکر الأحلام الأربع أو الخمسة کلها, و یتم تذکر الحلم الأخیر و الذی یتم الاستیقاظ أثناءه.

6 – من خلال الفکرة الخامسة نصل إلى الفکرة السادسة و هی أهمیة الإیقاع الادراکی الفکری کوظیفة دماغیة, على الرغم من أهمیة الإیقاع الصوتی لسهولة إدراکه.

الإیقاع الشعری:

الفن مرتبط ارتباطاً وثیقاً بالقلق فهو المصنع الرئیسی الذی تتم فیه العملیات المعقدة لأی حالة إبداعیة.

و القلق هی حالة من اللاتوازن النفسی التی تصیب الأنا, ضروریة لاستمراریة هذه الأنا فی المسیرة الحیاتیة, عبر عملیات أشبه بالشحن و التفریغ.

فالقلق المتأتی بالدرجة الأولى نتیجة وضع الأنا أمام العدم, هذا القلق المدرک من خلال الشعور بالفراغ و أبعاده المبهمة, لا یجوز أن یستمر, لأن استمراریته تؤدی إلى اضطرابات عمیقة فی الحالة النفسیة و بالتالی إلى ما یسمى بالأمراض النفسیة المعروفة.

لذلک کان لا بد من إیجاد عملیات تفریغیة فی سبیل الوصول إلى حالة من التوازن, الذی یمکن له و فی أی لحظة أن یختل من جدید, لتبدأ الأنا فی البحث عن وسیلة جدیدة للإفراغ.

و کلما کانت عتبة الاستثارة للأنا منخفضة (عتبة الاستثارة و نعنی بها الطاقة أو الموقف الذی بإمکانه إدخال الأنا إلى حالة القلق المخلة بالتوازن المذکورة سابقاً) کلما کانت الذات قریبة من الإبداع فی أی لحظة و أخص بالذکر الإبداع الفنی.

و إن عملیات الإفراغ لهذا القلق المتولد, تتم عبر عدة أقنیة وإن کان الإفراغ الجنسی هو الأهم حسب نظریة التحلیل النفسی 7 لکن و حسب نفس النظریة و تعدیلاتها التی أتت فیما بعد فروید - أمثال ایرک فروم و یونغ - تؤکد أن طرقاً أخرى تشارک فی المسألة الافراغیة و نذکر منها:

التسامی: و ذلک من خلال التمسک بالفضائل و الأخلاق السامیة کما نجدها لدى الرهبان.

عن طریق الإبداع: و هو موضوع بحثنا, فالمبدع یحاول تفریغ شحنة القلق من خلال حالة إبداعیة تحمل قلقه باتجاه الغیر المرتقب و هو المتلقی.

هناک عملیات معقدة: لا داعی لشرحها هنا کالنکوص و التفریغ المرضی.

نصل فی النهایة إلى أن الإبداع حالة صحیة تبحث فیها الأنا السلیمة عن وسیلة لتفریغ القلق الناشئ و الضروری لاستمراریة الأنا فی الحضور ضمن الجماعة.

و ندخل بذلک إلى صلب موضوعنا و هو الشعر کحالة إبداعیة لها خصوصیتها, تتأتى هذه الخصوصیة من کونه أقرب الحالات الإبداعیة للاوعی - المبهم المعالم – الممثل لتلک الحالة الشعوریة, التی تحمل کمیة کبیرة من القلق, أکبر من الکمیة التی تحملها الأجناس الأخرى من الأدب, و الذی یحتاج بدوره إلى أدوات مساعدة قادرة على حمل هذا القلق و إخراجه من الذات الشاعرة باتجاه المتلقی المفترض.

و یأتی هنا دور الإیقاع کأداة هامة مساعدة لحمل هذا الکم الهائل من القلق المتأتی من تلک الحالة الإبداعیة الخاصة.

لذلک کله آثرنا أن نقول أن الشعر = إیقاع و هذا أمر لا یختلف علیه اثنان قدیمه و حدیثه

لکن ما هو الإیقاع و الإیقاع الشعری تحدیداً.

- تعریف الإیقاع الشعری:

یمکن تعریفه الآن من خلال کل ما سردناه عن الإیقاع و الشعر و علاقته بالذات الشاعرة و اللاوعی لتلک الذات بالشکل التالی:

بما أنه إیقاع إذا فهو حالة من الانتظام للتنبیهات الواقعة بین سکونین سکون البدایة و سکون النهایة و بما أنه شعری فهو یحمل صفة معینة و هی الشعریة, و کما نوهنا أن الإیقاع وجد لأداء وظیفة دماغیة, إذاً فهو:

عبارة عن تنبیهات منتظمة تقع بین سکونین تصل الدماغ (دماغ الشاعر و المتلقی) لیقوم هذا الدماغ على إرجاع السکینة للذات المتفاعلة (ذات الشاعر و المتلقی) بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.

هذا الإیقاع الذی هو حرکة الکلام فی الکتابة حیث یکون على أشده فی القصیدة الشعریة سواءً النثریة أم العمودیة أو قصیدة التفعیلة بینما یتناهى نحو السکون فی الخطاب النثری العلمی و قد شبه بول فالیری الکتابة الشعریة بالرقص مقارنة مع الکتابة النثریة من حیث رصد الحرکة فی کلتا الحالتین

و یکون بهذا المعنى النثر والشعر قمتین شامختین یمکن أن یقاس الفرق بینهما إنهما لیس أکثر أو أقل تباعدا من رقمین مختلفین فهما مثل الرقمین فی التماس ولکنهما متغایران نتیجة للفرق عینه الموجود فی الکم، والجدید الذی أوحت به الدراسات اللسانیة الشعریة هو قیاس "درجة الشاعریة" فی القطبین معا، حیث "الفرق بین الشعر والنثر کمی أکثر مما هو نوعی"، لهذا افترض النثر العلمی الطرف المقابل للشعر

أما بالنسبة لموضوعنا الأساسی الشعر و کیفیة تجلی الإیقاع فی الأجناس الشعریة المختلفة من قدیمه إلى حدیثه فنقول:

الإیقاع فی القصیدة العمودیة أو قصیدة الوزن:

و یشترک فیه أکثر من نوع من الإیقاع

1 – الإیقاع السمعی:

و هو الإیقاع الواصل إلى الدماغ من خلال إدراک الأذن للموسیقى المتأتیة من الموسیقى الظاهریة للنظام الصوتی للحروف, و المنتظمة فی نظام تعارف علیه بالبحور العروضیة, و هی البحور التی تم وضعها من قبل أبو خلیل الفراهیدی مع القافیة التی یجب الالتزام بها من قبل الشاعر, و التی تضیف إلى البحور إیقاعا صوتیاً إضافیا.

و کلنا یعلم أن القوانین التی وضعت من قبل الفراهیدی کانت قوانین استنتاجیه للقصائد التی جاءت من قبله, هذه القوانین التی فرضتها البنیة الإیقاعیة الجمعیة المدرکة من خلال الطبیعة (تأثرها بخطوات الجمال).

و یخطر فی بال أحدنا سؤال:

على ماذا کان الشعراء یعتمدون قبل الفراهیدی؟

هل کان الفراهیدی هو الحکم فیما بینهم؟

إذاً

نستخلص من کل ذلک أن الإیقاعات الصوتیة السمعیة إذ جاءت کضرورة من ضرورات الشعریة آن ذاک, و تم الترکیز على الإیقاع السمعی و ذلک لسهولة الإدراک السمعی للإیقاع - هذا ما أشرنا به سابقاً - إذ أن الإیقاع السمعی لا یحتاج إلى عملیات فکریة کبیرة.

2 – الإیقاع البصری:

و نراه من خلال التنضید الذی یتم للبیت الشعری الواحد فی شطرین مع القافیة المتکررة آخر کل بیت.

3 – الإیقاع الادراکی الفکری:

و التی تأتی من خلال الانکساریات المتعددة و بؤر التوتر التی تحملها القصیدة ومن خلال الصیاغة اللغویة و الصور البیانیة و الجمالیات التی تتمتع بها القصیدة الشعریة.

و هنا أطرح بعض الأسئلة التی یمکن أن تفیدنا

فی أیامنا هذه بعد تطور وسائل التعلیم کیف یمکن للأصم استساغة قصیدة شعریة؟

ألیس من حقه فی أن یرقی نفسه و یخلصها من القلق؟ و ذلک باعتبار ما للشعر من وظیفة کما أسلفنا سابقاً.

أیمکن للأوزان الخلیلیة أن تفید الأصم!؟

کیف یمکن أن نبرر سقوط کثیر من الشعراء الماضین من القاموس الشعری العربی مع أنهم کانوا ملتزمین بالأوزان العروضیة؟

کیف یمکن أن نبرر وقوف قصیدة النثر موقف الند للند مع القصیدة العمودیة فی أیامنا هذه ؟ مع أن هذه الأخیرة لم یمضی علیها أکثر من نصف قرن مقابل تراث یصل إلى العشرین قرناً و.

- و إن کان الأمر لیس کذلک لماذا هذه الحرب بینهما؟

ألا یمکن أن تحمل قصیدة النثر شعریة حقیقیة نحن غائبین عنها و إلا لما استمرت؟

أهو الغرب فعلاً شماعتنا الجاهزة بأن نعلق علیها کل الأشیاء التی نظنها ردیئة؟

لماذا لا نحاول البحث و التقصی؟

الإیقاع فی قصیدة النثر:

على ضوء ما ذکرناه عن مفهوم الإیقاع نصطدم سلفاً بما أوردناه من علاقة الانتظام مع الإیقاع, و علاقة القصیدة النثریة بتحطیم القوانین.

ربما هذه النقطة بالتحدید هی أکثر النقاط شائکة فی بحثنا, فهی النقطة الرئیسیة التی تم الجدال حولها باستمرار بین مدافعی قصیدة الوزن و مدافعی قصیدة النثر, و هی التی أودت بکثیر من المتطفلین على حشر نتاجاتهم ضمن هذا الصنف الأدبی الجدید الذی لا قوانین له و لا حساب و لا محاسبة, مما استدعى وقوف الطرف الآخر و نعنی مدافعی قصیدة الوزن موقف المتفرج الفرح, لأن ما کانوا یحذرون منه قد حدث, و نسی الاثنین أن الحریة هی عبارة عن فسحة الحرکة المتاحة بین الخطأ و الصواب, و مهما بلغت الحریة فهی لا تعترف بالقتل کفعل یجب امتلاکه کی نکون.

إذا نحن أمام معضلة کبرى أو متناقضات کبیرة مثل (فوضى / انتظام).. (یة / قوانین)...(هدم / بناء)...(لوزن / موسیقى)...(ة / سکون).

و هذه المتناقضات هی أساس القوانین الإیقاعیة التی تبنى علیها قصیدة النثر.

و هنا أطرح تساؤلات

ألیست الحریة بحد ذاتها قانوناً؟

لماذا الغضب و التشنج الذی یصیب معتنقی قصیدة النثر کلما جاءت سیرة القوانین ؟ لماذا کلما دق الکوز بالجرة تأتی سیرة الحریة؟ و أنها سبب البلاء, و أنها سوف تصبح وباءً علینا, و أن مجتمعنا لدیه قوانینه الأبدیة, و أن الهدم لن یصحبه الا الاستغناء عن الماضی... و ما إلى هنالک من کلمات و جمل یتذرعون بها مدافعون قصیدة الوزن.

من قال ذلک؟

هل استغنى رواد قصیدة النثر عن الماضی؟

لماذا إذاً عذّب أدونیس نفسه و ضیع وقته لدراسة الماضی و إحیائه من جدید...

هل من مجنون واحد حتى أولئک المتطفلین على قصیدة النثر قال مرة أن المتنبی لیس بشاعر؟

هل قُرِأتْ قصیدة للحطیئة أو امرأ القیس أو أبو تمام أو... الخ و تم رفضها؟

لماذا نحاول دائماً أن نبنی حروبنا على أساس نفی الآخر؟

الإیقاع الظاهری:

و یوازی الإیقاع السمعی و البصری الذی تحدثنا عنه فی قصیدة الوزن.

ویعتمد على البنیة الصوتیة للحروف کما فی قصیدة الوزن, لکن لیس بترتیبیة الفراهیدی و الأوزان العروضیة, إنما من خلال مبادئ خاصة, من أهمها على سبیل المثال و لیس الحصر, التکرار المقطعی فی ترتیبیة صوتیة معینة ضمن المقطع الشعری الواحد, أو التکرار اللفظی لبعض الکلمات التی یرید الشاعر إعطاءها الأهمیة فی الإظهار, و إلى ما هنالک من أسالیب اتبعها بعض شعراء الحداثة لإطفاء روح من الغنائیة, و التی هی غیر ضروریة لبناء قصیدة النثر, فالإیقاع الظاهر لا یأخذ الأهمیة هنا کما فی شعر الوزن.

الإیقاع الداخلی:

و هو نفسه الإیقاع الادراکی الفکری الذی تم بحثه فی قصیدة الوزن هذا الإیقاع یتبلور فی قصیدة النثر عبر عدة مفاهیم نذکر منها:

مفهوم وحدة الأضداد:

و هو المفهوم العام الذی منه تتفرع باقی المفاهیم, فکما أسلفنا سابقاً من خلال عرضنا لمفهوم الإیقاع و الإیقاع الشعری, أن قصیدة النثر تعتمد على متناقضات کبیرة أمثال فوضى / انتظام – حریة / قانون – حرکة / سکون – کسر الوزن / موسیقى.

هذه المتناقضات هی أساس القوانین التی تبنى علیها قصیدة النثر, و نسوق هنا تصورنا عن هذا المفهوم.

قبل کل شیء لا بد من تنویه عاجل إلى الطبیعة البشریة, و التی منذ أن وجدت و هی فی عراک مریر مع سلطة الفضاء الخارجی, و الصیغ التی یبتدعها للتخلص من تلک السلطة, من هنا کانت الحریة, الحلم الکبیر الذی مازال الإنسان یبحث لها عن معناً حقیقی, هذه الحریة التی أفردت لها صفحات من التاریخ, عن الحلم الذی راود البشر فی التحلیق, و التخلص من سلطة الطبیعة المدرکة على أنها تلک الجاذبیة التی تربطه بالأرض.

لذلک نجد الإنسان دائم المحاولة للوصول إلى نقطة تنعدم معها القوى, فی هذه النقطة التی تقع بین نقیضین, یشعر معها الإنسان بالنشوة و القلق فی نفس اللحظة, لما تحمله هذه النقطة من إحساس بالعدم و إحساس موافق بالأمان الذی یأتی نتیجة التخلص من سلطة الفضاء الخارجی, إنه الضیاع اللذیذ.

و التی على أساسها کانت تدور أغلب النظریات الفلسفیة و الدینیة, فمن فروید و الذی یعتبر الأنا هی نقطة الصراع بین الهو و الأنا الأعلى, هذه الأنا الواقعة بین الوعی و اللاوعی, إلى کل الأفکار الدینیة التی تؤکد أن الإنسان هو نتاج لقوتین أساسیتین بین الخیر و الشر, فالإنسان هو مساحة الحریة الحقیقیة فی الطبیعة و الذی فی بوتقته تنصهر قوى الطبیعة سالبها مع موجبها.

و الإنسان فی دأب مستمر لأن یبرز مفاتنه, و الفن أحد أهم الوسائل المتاحة لذلک و قصیدة النثر التی برأینا هی الأرقى حالیاً, کأسلوب یحمل نتاجاً فکریاً بشریاً جمعیاً من خلال استناده على کل التقنیات الفنیة, و من خلال مساحة الحریة التی تمتلکها هذه القصیدة, کان لا بد لها أن تبرز هذا التناقض و توحده ضمن جسد القصیدة.

لذلک نجد الصورة الشعریة و الصیاغة اللغویة و المعنى فی قصیدة النثر مبنیة على وحدة المتناقضات, کأن یقول شاعر مثل محمد الماغوط مثلاً " لا شیء یربطنی بهذه الأرض سوى الحذاء " أو کما یقول أدونیس فی مقدمة لملوک الطوائف " وجه یافا طفل / هل الشجر الذابل یزهو؟ / هل تدخل الأرض فی صورة عذراء؟ / مَنْ هناک یرجّ الشرق؟ / جاء العصف الجمیل ولم یأت الخراب الجمیل/ صوت شرید.. / " فالخراب لدى أدونیس یحمل الجمال.

مفهوم الترکیب و الصیاغة:

الترکیب:

و هو أقرب ما یکون إلى العلاقة النحویة, و بالتالی هو أقرب إلى النظام و الثبات أی السکون.

بینما الصیاغة:

تشیر إلى تفجیر هذا النظام و خلخلة الترکیب اللغوی المألوف لإیجاد بنى تعبیریة جدیدة و خلق حالة من الحرکة داخل السکون, و هنا یکمن قدرة الشعر على خلق لغة خاصة به.

مفهوم التوتر و التوتر ضمن النص:

التوتر و هو البؤرة الانفعالیة التی لا یخضع لها الشاعر و المتلقی بطریقة عادیة - و المقصود بکلمة عادیة کل ما یتفرع عنها من تداع و حلم و انسیابیة - و إنما توقظه و تثیره و تهز کیانه, أو بمعنىً آخر تصدمه بما تحمله من شحنة توتریة.

وهذا التوتر ینشأ داخل النص من التقاطعات التی تکونت منها بنیته, و من علاقات التضاد المتمثلة بانکسار سیاقه اللغوی, و ما یحمله إلینا من اضطراب فی مفاهیم الصیغ و علاقاتها, و قیمة التوتر تأتی من کونه یساعد على تعمیق دلالات النص, و یعمل على تحریک الشعور عند الشاعر و المتلقی على السواء, و بالتالی على التوصیل الدقیق للحالة الشعوریة لدى الکاتب.

مفهوم الصورة الشعریة:

و هی حرکة ذهنیة تتم داخل الشعور, لکنها فی ذاتها تعد انعکاسا مکثفاً لمختلف جوانب الطبیعة و المجتمع و ظواهرها مع الاحتفاظ بخصوصیة التجربة و فرادتها, کما تدل على أشیاء غیر مرئیة موجودة فی وجدان الشاعر, ترسخت عبر المسیرة الحیاتیة, و هنا یتدخل اللاوعی لدى الشاعر فی تشکیل الصورة بحذف أو إضافة ما یراه ملائماً لإخراجها صورة شعریة لها خصوصیتها الناجمة عن الحالة الانفعالیة للشاعر.

و بذلک فالصورة الشعریة:

هی عبارة عن عکس للب الظواهر من خلال الفردی الذاتی و خصوصیته فهی تدل على العام من خلال الجزئی من الظاهرة.

مفهوم وحدة القصیدة:

و هی موجودة بشکل رئیس فی قصیدة النثر, حیث أن القصیدة تدور حول فکرة جوهریة أصلیة تتفرع عنها مجموعة من الأفکار الجزئیة التی لا یمکن فهمها إلا من خلال إضاءة الفکرة الرئیسیة و بلورتها.

مفهوم التکثیف:

یقول النفری " کلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤیا " من هذا المبدأ یکون للتکثیف أهمیة قصوى لإحاطة الجزء بالکل, و الذی هو هدف الفن الحقیقی, و التکثیف لیس بمعنى الشطب الذی یؤدی للإبهام, إنما بمعنى الاختزال المبنی على رؤیة شاملة للفضاء الخارجی, و خلق حالة من التوتر قادرة على حمل القلق الذی تحدثنا عنه.

مفهوم الرؤیا:

یشیر جبران خلیل جبران فی أحد رسائله إلى ماری هاسکل سنة 1929 إلى أن الطموح الجوهری للإنسان الشرقی هو أن یکون نبیاً, و النبوة بهذا المعنى لیست النبوة الدینیة, إنما النبوة بمعنى الإدراک العمیق لما یدور حوله و استقراء الغیب من خلال رؤیة عمیقة للمستقبل ترتکز على فهم عمیق للواقع.

و یعرف ابن خلدون الرؤیا على أنها " مطالعة النفس لمحنة من صور الواقعات مقتبساً بها علم ما تتشوق إلیه من الأمور المستقبلیة "

بهذا المعنى یجب على الشاعر أن یمتلک رؤیة واضحة للمستقبل تمکنه من الانخراط مع الواقع و المصالحة معه, و ربما نسوق هنا مثالاً قریباً عن تلک الرؤیا التی یمتلکها الشاعر الحقیقی, عندما تناقلت الأخبار الثقافیة مدى تقاطع أحداث 11 سبتمبر مع مضمون قصیدة قبر لنیویورک للشاعر أدونیس, علماً بأن الأخیر قد کتب تلک القصیدة قبل الأحداث بعشر سنوات تقریباً.

من کل ما سبق نؤکد على

أولاً – الشعر = إیقاع:

و هذا متفق علیه, کذلک کل أنواع الفنون لکن الشعر له ارتباط حمیم به, و ذکرنا الأسباب النفسیة لذلک, لکن الإیقاع لا یعنی الأوزان الخلیلیة بل الأوزان الخلیلیة هی أحد الأسالیب المتخذة لبلورة هذا الإیقاع.

هذا الإیقاع الذی هو عبارة عن تنبیهات تأتی من العلاقة بین العناصر المکونة لبنیة القصیدة, و تأتی فی القصیدة الشعریة الموزونة من المصدر الصوتی للکلمة بشکل أساسی, و بشکل ثانوی من الدلالات اللغویة للکلمة.

بینما فی قصیدة النثر, یعتبر الإیقاع حاصلاً للعلاقات الداخلیة للقصیدة, أی هناک ارتباط وثیق بالدلالة المرتبطة أساساً بالصیاغة اللغویة, هذه الصیاغة التی هی عبارة عن سلسلة من الحرکات الصوتیة المقترنة بسلسلة من الحرکات الفکریة.

و بهذا یکون الإیقاع فی قصیدة النثر حرکة مرتکزها الأساسی الدلالة اللغویة المصاغة, تسیر مع النص و تنهض فی نسیج مکوناته لتولید الدلالة النهائیة, بحیث تکون هناک علاقة تأثیر و تأثر بین الإیقاع و الدلالة.

و بهذا نجد أن الإیقاع له صلة وثیقة بالقصیدة بشکلیها الموزون و النثری, و ذلک لتمکین الشعور من السیطرة على الحالة الانفعالیة من قبل الکاتب و المتلقی, و ربما هذه النقطة هی أکثر النقاط خلافاً بین مؤیدی قصیدة الوزن و مؤیدی قصیدة النثر.

و لا أجد أی مبرر للغضب و المشاحنات عندما تتبدل الأسالیب لتأدیة نفس المهمة.

ثانیاً – قصیدة النثر لیست جنساً غریباً:

حتى أننا لا نجد أی مبرر لهذا المصطلح, الذی ربما فی بعض جوانبه یحمل الاغتراب و الانفصال, لأنه جاء کتکریس للترجمة الحرفیة من المصطلح الأجنبی, و برأینا الشخصی یجب التخلی عن هذا المصطلح و الاستبدال بقصیدة شعریة, فقصیدة النثر هو امتداد طبیعی لما کان, فالشعر هو شعر مهما تغیرت الأسالیب.

ثالثاً – الأوزان الخلیلیة لیست مقدسة:

الأوزان الخلیلیة وضعها بشر فی حقبة ما, و ما یضعه البشر قابل للتطویر و التجدید و الحذف و الشطب و ما إلى ذلک من عملیات بشریة, و إن هذا التقدیس للأوزان الخلیلیة لا نجد له مبرراً.

رابعاً – قصیدة النثر لیست بدیلاً عن أی جنس أدبی:

قصیدة النثر لا تعرض نفسها بدیلاً یقوم على رفض الآخر (قصیدة الوزن), بل العکس تماماً مؤیدی هذا النوع الثانی و نعنی قصیدة الوزن یحاولون شطب الآخر و نفیه, بینما أهم الأسس التی تقوم علیها قصیدة النثر هی الاعتراف بالآخر.

خامساً – کل فن فیه السیئ و الجید:

کما هی قصیدة الوزن لا تصل إلى الکمال, قصیدة النثر کذلک, و کما فی قصیدة الوزن متطفلون, فی قصیدة النثر نرى ذلک, و ربما أکثر من ذلک لاستسهال الموضوع و عدم فهمهم للأصول الأدبیة, و هذا شیء جد طبیعی و الزمن کفیل بالتصفیة.

سادساً – ضرورة التقصی و التدقیق قبل إطلاق الأحکام الهوجاء:

النقطة الأخیرة مع أنها ربما کانت نشازاً عن الموضوع, لکننا رأینا ضرورة ذکرها من مبدأ أن لکل قاعدة شواذها, و الشواذ تؤکد القاعدة, و هی النقطة التی دعتنا للقیام بتحضیر هذه الدراسة المتواضعة لتسلیط الضوء على مفهوم ربما کان الجدال علیه قبل عقدین من الزمن مبرراً, لکنی و بمفاجئة مثیرة للریبة وجدت الموضوع مثاراً إلى یومنا هذا و أرجو أن أوفق فیما أتیت.

المراجع:

الوعی و الفن - تألیف غیورغی غاتشف - ترجمة د.نوفل نیوف - سلسلة عالم المعرفة العدد 164

- هاریسون مبادئ الطب الباطنی

أسرار النوم – عالم المعرفة – عدد 163

محاضرات تمهیدیة جدیدة فی التحلیل النفسی - تألیف سیجموند فروید - ترجمة عزت راجح 1990

الثابت و المتحول – أدونیس – الطبعة الخامسة 1986

تقابل الفنون – ایتیان سوریو – ترجمة بدر الدین قاسم الرفاعی – منشورات وزارة الثقافة السوریة 1993

دراسة للشاعر شریف رزق بعنوان المفاهیم النظریة للأنواع الشعریة فی شعر ما خارج الوزن قصیدة الشعر الحر – قصیدة النثر – النثیرة و المنشورة فی العدد الخامس عشر من مجلة نزوى العمانیة

فلسفة بنیة الإیقاع للدکتور علوی الهاشمی العدد 20 من کتابات معاصرة 1994

قضایا الإبداع فی قصیدة النثر – یوسف حامد جابر – الطبعة الأولى 1991 عن دار الحصاد بدمشق.


>