<> أحمد شاملو رائد قصیدة النثر - الادب العربي

الادب العربي

أحمد شاملو رائد قصیدة النثر

أحمد شاملو رائد قصیدة النثر فی الشعر الإیرانی الحدیث

  

کمال سلمان / مرّ الشعر الإیرانی مثل نظیره من الشعر غیر الأوربی بمرحلة اتجهت فیه نحو التخلص من هُویة الموروث ، فهو حالیاً یعتمد نمطاً یوازی به (قصیدة النثر) الموجودة فی العالم، أو تیک التی تستخدم عند أغلب الشعراء العرب، بخاصة شعراء المهجر . ویطلق على هذا الشعر فی إیران تسمیة : (شعر سبید، تُقرأ الباء :P ). ویسمّیه الناقد الأکادیمی سروش شمیسا بـ : (شعر موج) ویدافع عن هذه التسمیة ـ مع العلم أنه من أشدّ النقّاد له ـ وقد دعا الشعراء فی أکثر من مرّة إلى التمسک بقواعد الشعر الموروث مع محاولة التطویر ، کما فهمنا من کتابه (سبک شناسی شعر) . وترجمة : ( شعر سبید ) الحرفیة هی : الشعر الأبیض . ونحن من أجل التقریب بین التسمیات الموضوعة لمسمّىً واحدٍ ، وکذاک بغیة خلق الأنس لدى الذهن ، یمکننا أن نطلق على : (شعر سبید) تسمیه : (قصیدة النثر الإیرانیة) فی ضوء الدقة ؛ وذلک لأنها تتمتع بخصائص قصیدة النثر تماماً من حیث المادة والصورة والقالب ـ کما هو واضح ـ ثم من منطلقنا الفلسفی الذی نتبناه فی المجال الثقافی العام نرجح تسمیة :(قصیدة النثر الإیرانیة) وسنترک استخدام مصطلح : (شعر سبید) أحیاناً للشعراء الإیرانیین یستخدمونه بینهم ، إذاً : لا غرابة إذا استخدمنا التسمیة الثانیة على هذا النمط من الشعر.

ویعود تاریخ هذا الشعر بالتحدید إلى تیک الفترة التی انطلق فیها الشعراء الإیرانیون یتابعون ثلّة من شعراء حرکة الإبداع فی العالم کـ : جون بیرس.. حیث رمى الشاعر فی نصوصه الحدیثة الوزن والقافیة إلى حظیرة المورث واعتمد على موسیقى اللغة وعناصر البلاغة أو الأسلوبیة.. ویرى بعض نقاد الإیرانیین أن هذا الشعر ( شعر سبید ) انطلق فی الساحة ـ للمرة الأولى ـ بواسطة جهود الشاعر الراحل أحمد شاملو ، إلاّ أن ثمّة ملاحظات تقدم فی هذا الجانب ، وهی فی أن هناک خطأ بیّن قد حصل فی إطلاق التسمیة على هذا الشعر ؛ وذلک لأن أحمد شاملو قرأ نماذج من : Blank Versre وهذا الشعر لا یکون خال من عنصر الوزن والقافیة بالتمام ، ویعتمد على عنصر التفعیلة کأساس ـ کما فی بدایة حرکة الشعر الحرّ أو المسمى بالتفعیلی ـ ولکن لا یلتزم الشاعر بالقافیة فی الأعمّ الأغلب ؛ بینما شاملو قدّم قصائد نثریة قفز بها کثیراً حیث لا قافیة ولا وزن.. وصارت على وتیرة تیک التی تسمّى فی أمریکا بـ : Free Verse وفی فرنسا بـ Verse libre ومن هذا المنطلق صارت لدى شاملو قفزة دون أی عمد أو تنظیر أبعدته خارج ما فهمه.. ولمّا کان هذا الشعر غیر معهود فی ذهنه ، فخَلطَ بین الشعرین وقدم نتاجه الشعری الذی خال من الوزن والقافیة باسم (شعر سبید) قاصداً : Blank Versre ، ضاناً انه طلیق من کل شرط ، وهو فی الحقیقة یسیر على مسار : Verse libre أو Free Verse . والذی وقع بهذا الخلط هو الشاعر الکبیر أحمد شاملو نفسه . ومن هذا المنطلق وجد النقاد لا علقة بین الاسم والمسمى.. وان ثمة خطر على الشعر الإیرانی حیث الشاعر ذا ما افرز حینها بین نتاجین من الشعر! وصار هذا المورد سبباً لنقد أحمد شاملو! وهذا صحیح یمکن قبوله لان Blank Versre هو أول شعر تطلع علیه الشعراء الإیرانیون . ومجمل القول : لو کان الشاملو یقصد Free Verse ربما لم یسمِ الشعر بـ (شعر سبید) وکل ما هناک أن الشاعر أخطأ فی وضع التسمیة . ومن جهة تصورنا أن هذا الکلام لا یمکن الاحتجاج به لهشاشة المورد ؛ لنفترض أنه علم وسمى.. ، ما المانع من ذلک ؟ وهل تسمیة سروش شمیسا (شعر موج) جاءت تتطابق مع الاسم الأوربی ؟ کلام لا یخفی وراءه أی جدوى .

وعلاوة على الومضة التی قدمناها حول وقوف شاملو فی صعید الریادة والإبداع.. ثمّة شبیهُ إشکالٍ أیضاً یعترضنا فی تثبیت هذا الوجه من الکلام ، یسرده البعض. ویرى هؤلاء أنّ شاملو لیس هو الرائد لقصیدة النثر الإیرانیة کما یقال عنه ، وهذا یذکرنا بحدیث الراحلة نازک الملائک إذ تعتبر ما قبل میلاد الشعر التفعیلی إرهاصات ولیس إبداعاً ، وتعنی بذلک بعض المحاولات التی جرت فی عصر الانحطاطی الذی أبداع فیه شعراء الحـویزة : (شعر البند) ـ أعنی بالشعراء : الشاعر العراقی الحـویزی الأصل ابن معتـوق الحـویزی 11 هـ. ویذکر أن هذا الشعر انطلق من الحـویزة إلى العراق والبحرین والحجاز و.. ـ فهنا نجد الأخذ والرد فی انتساب الإبداع هو نفسه الذی یوجد فی الحدیث عن منطلق الشعر التفعیلی الذی تجاوزناه بکثیر من الخطوات إلى قصیدة النثر . وفی هذا یقول محمد شفیعی کدکنی ـ شاعر کبیر على غرار یوسف سعدی وعلی الجندی ـ : « لا یُعدّ شعر شاملو هو المنطلق الأول فی هذا الجانب ، وإنّما قبله جهود کثیرة بذلت حتى توصّل إلى ما هو علیه » . وهنا یمکن أن نرّد ـ من حیث وجه اشتراک الموضوع فی الآداب والفنون عند الشعوب.. ـ على أن هذا الرأی غیر صائب ؛ وذلک لما ساد من تصور فی الأذهان حول مفهوم الإبداع . یتصور البعض أن الإبداع ـ بکل أنماطه ـ یجب أن یأتی من العدم ـ کما یقال فلسفیاً ـ .. وفی الحقیقة إن مفهوم الإبداع أمر مشکک لا ینطبق على النصوص والنظریات فی الأدب والفن.. بالنسبة الواحدة ویمکن أن یوجد فی موارد نتصور أن الانتزاع الأدبی والتألیفی هما الأهم فی هذا المجال.. وعلى فرض أن هناک جهود کانت قبل ُ، هذا لا یعنی شیئاً کثیراً یمکنه أن یخدش بصورة الإبداع الذی لم یکن سائداً بالأمس .

تَحِلُّ تجربة الشاعر أحمد شاملو فی :(قصیدة النثر الإیرانیة) المرتبة الثانیة فی الشعر الإیرانی الحدیث بصورة عامة ، ولکن إذا حاولنا ملاحظتها من حیث الطول الأفقی للإبداع ، فلاشک هی التجربة الأولى من نوعها . والتجربة الأولى التی لم یعهد بها الشعر الإیرانی ـ بالمرة الواحدة ـ کانت بید رائد الشعر التفعیلی : نیما یُوشیج ، المبدع الذی خرج على الأوزان العروضیة التقلیدیة فی إنشاد الشعر ، واعتمد فی شعره على الوزن الحرّ أو طلیق Free Verse ، وترک هذاک الوزن المقید بسمة السداسی والرباعی.. وراءه لیلتحق بشعر الخیام الفیلسوف ، والکنجی الحکیم ، وأبی الخیر الصوفی ، والسعدی الشیرازی.. وقد عرف شعر نیما یُوشیج بعده بـ : ( شعر نیمائی ) .

وبعد رحیل نیما یُوشیج خلت الساحة لیدخلها جیل آخر من الشعراء ، ولما وصل الدور إلى شاملو ـ وقد عایش تجربة هذا الشاعر ـ حاول أن یضیف علیها من تجارب الشعراء الأمریکیین والأوربیین ، بعد إذ بسط الشعر النیموی مِظلّته لفترة طویلة تقرب من أربعین عاماً على مخیلة الشعراء الإیرانیین بصورة عامة .

لقد أراد شاملو أن یجعل الشعر طلیقاً من کل قید موروث ـ حتى التفعیلة ـ ساعیاً لتقریبه من الشعر العالمی الحدیث ، وکان یهدف فی هذا أیضاً إکمال مسیرة الإبداع التی بدأ بها المبدع نیما یوشیج ؛ ومن هذا المنطلق یحدثنا قائلاً : « شعرنا [الإیرانی] الیوم هو مَدین لشعراء فترة الأربعینات حتى الستینات من شعراء العالم ـ وکذاک لغات الشعوب أیضاً ـ منهم : بول ألوار ولورکا روبیر دسنوس ونیرودا وسنغور ومیشو.. فهؤلاء هم الذین أطلعونا على خبایا ومستویات هذا الشعر ، وأراحونا من سیاج القافیة والوزن وقالب الشعر العمودی ، وتجربة نیما یوشیج فی الحقیقة ـ وإن کان هو الرائد الأول فی هذا النطاق ـ لم تعدُ مرحلة الاختلاج ، إلا أن نداءاته المتتالیة أیقظتنا من النوم العمیق.. » .

وفی ضوء هذا الإبداع النیموی الجدید انطلق شاملو واضعاً شعره على التجربة نفسها فی مجموعته الشعریة :( هوای تازه = الهواء النقی ). ولم یکتفِ بهذا القدر من الإبداع ، وإنما بدأ یقرأ لکبار شعراء العالم ـ بمختلف لغاتهم ـ وکرّس لقراءة المجلات الشعریة التی تصدر فی فرنسا ، وتعرّف على : لورکا وجون بیرس.. ویصرح هو نفسُهُ أن منطلق شعره الحدیث یعود إلى متابعته الدؤوبة لنتاج الشاعر الفرنسی : بول ألوار . یقول فی هذا المورد : « کدت أن أصاب بالتزمت فی معایشتی للتجربة النیمویة ، وفجأة وجدت بول ألوار ، وعِبره استکشفت صمیم الشعر الأصیل.. » .

لقد حاول شاملو أن یتخلص من الشعر الموروث والنیموی بالمرّة الواحدة ؛ ولذلک یعبّر عن البحور المورثة بـ : قلقلة اللسان . یقول فی هذا : « أنا لا أعتقد على الإطلاق بوجود الوزن کعنصر ذاتی فی صمیم الشعر ، وإننی أعتقد أن الوزن یسبب فی تکوین الرکاکة عند خیال الشاعر ؛ لأنه یسمح لمجموعة من المفردات بالدخول ، ویغلق الباب بوجه آخر ، وقد تکون هذا المفردات التی لم یسمح لها الدخول هی جزء من الإبداع المغیّب فی نص الشاعر . ومجمل القول : أنا أرى الوزن یقلّص من خیال الشاعر ، ویکوّن انحرافاً فی المضی الطبیعی للشعر.. » .

یواجه الشعر الفارسی بصورة عامة الیوم أزمة ناجمة من شدّة التشابه بین الکلام الاعتیادی وبین ما یطلق علیه بـ (قصیدة النثر الإیرانیة) ، مما دعا هذا أن ینادی النقاد إلى وضع حدّ معین بین الشعر والنثر خشیة تعمیم الاسم على نمطین من النتاج الأدبی ، فهم یرون أن هذا الشعر فتح الباب بکلا قسمیه لدخول کم هائل من نصوص النثریة باسم : (قصیدة النثر الإیرانیة) ؛ ولذلک یقدّمون شعر أحمد شاملو أبرز تجربة لقصیدة النثر من بین بقیة الشعراء الإیرانیین فی هذه الفترة ، وینادون باتّباعه والسیر على الخطوات التی خطاها فی الوقت الراهن . ومع هذا کله فأن التجربة التی یقدمها شاملو لا تخلو من إخفاق فلیس کل ما قدمه یعد شعراً ، وإنّما ثمّة من شعره ما یمکن عدّه فی سیاق النص النثری . وینفرز هذا فی مجموعاته الشعریة التی قدمها قبل مجموعة : (هوای تازة = الهواء النقی ) ـ وبعض نصوص المجموعة نفسها أیضا ـ ومثل تیک مجموعة: ( باغ آینه = حدیقة المرآة ). وأما نصوصه التی قدمها بعد المجموعتین أفرزت هویتها الخاصة کشعر متمیز حدیث یحمل سمات ( شعر سبید = قصیدة النثر ) .

وخلال قراءتنا لشعره توصلنا إلى أن تجربة شاملو تضع فضاءاً واسعاً للشعر الإیرانی کی یرى عبره نتاج الشعر العالمی الموجود على هذا النمط ، کما هی تجربة ناصعة لقصیدة النثر الإیرانیة وحَرِیة بالاتّباع من غیرها . وشاملو بکل تأکید مبدع وشاعر قدیر ومتمیز جداً ، حیث یمکن اعتباره بالرائد لقصیدة النثر فی الشعر الإیرانی من منطلق الحق ، کما یقال عن سائر الروّاد فی هذا الصعید . ونحاول فی المقالات الآتیة ترجمة بعض من قصائده النثریة .


>