<> قضیة الانتحال فی الشعر الجاهلی - الادب العربي

الادب العربي

قضیة الانتحال فی الشعر الجاهلی

  بقلم :  أ. د. محمد بلاسی

                                                                                                                                  أکادیمی – خبیر دولی/ جمهوریة مصر العربیة

 یُعدّ ابن سلام الجمحی أوّل من أثار فی إسهاب مشکلة الانتحال فی الشعر الجاهلی فی کتابه : "طبقات فحول الشعراء"، وقد ردّها إلى عاملین : عامل القبائل التی کانت تتزیّد فی شعرها لتتزید فی مناقبها، وعامل

الرواة الوضاعین().

     یقول ابن سلام: "لما راجعت العرب روایة الشعر وذکر أیامها ومآثرها استقلّ بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذکر وقائعهم، وکان قوم قلّت وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أنْ یلحقوا بمن له الوقائع والأشعار ، فقالوا على ألسن شعرائهم ، ثم کانت الرواة بعدُ فزادوا

فی الأشعار"().

     وقد لفتت هذه القضیة ، قضیّة انتحال الشعر الجاهلی أنظار الباحثین المحدثین من العرب والمستشرقین ، وبدأ النظر فیها من المستشرقین نولدکه سنة 1864م ، وتلاه ألوّرْدْ حین نشر دواوین الشعراء الستة الجاهلیین : امرئ القیس والنابغة وزهیر وطرفة وعلقمة وعنترة ، فتشکک فی صحّة الشعر الجاهلی عامة ، منتهیاً إلى أنّ عدداً قلیلاً من قصائد هؤلاء الشعراء یمکن التسلیم بصحته ، مع ملاحظة أنّ شکّاً لا یزال یلازم هذه

القصائد الصحیحة فی ترتیب أبیاتها وألفاظ کلّ منها() .

     إلا أنّ مرجلیوث یعدّ أکبر من أثاروا هذه القضیة فی کتاباته ؛ إذْ کتب فیها مقالاً مفصلاً نشره فی مجلة الجمعیة الملکیة الآسیویة بعدد یولیة سنة 1925م ، جعل عنوانه : (أصول الشعر العربی : The Origins of Arabic Poetry) .

     ومن أبرز ما أثار مرجلیوث فی مقاله المذکور من زعم قوله : لو أنّ هذا الشعر صحیح لمثّل لنا لهجات القبائل المتعدّدة فی الجاهلیة کما مثل لنا الاختلافات بین لغة القبائل الشمالیة العدنانیة واللغة الحمیریة فی الجنوب .

     ولقد ردّ علیه الدکتور شوقی ضیف مدحضاً زعمه ، قائلاً : إنّ لغة القرآن الفصحى کانت سائدةً فی الجاهلیة وأنّ الشعراء منذ فاتحة هذا العصر کانوا ینظمون بها وأنها کانت لهجة قریش ، وسادت بأسباب دینیة واقتصادیة وسیاسیة ؛ فکان الشعراء ینظمون بها متخلین عن لهجاتهم المحلیة على نحو ما یصنع شعراء العرب

فی عصرنا على اختلاف لهجات بلدانهم وأقالیمهم () .

     هذا ؛ ومن بین مزاعم مرجلیوث فی هذا الموضوع: أنّ النقوش المکتشفة للممالک الجاهلیة المتحضرة وخاصة الیمنیة لا تدل على وجود أیّ نشاط شعری فیها ، فکیف أتیح لبدو غیر متحضرین أنْ ینظموا هذا الشعر بینما لم ینظمه من تحضروا من أهل هذه الممالک ؟

     ودحض بروینلش هذا الدلیل ؛ لأنّ نظم الشعر لا یرتبط بالحضارة ولا بالثقافة والظروف الاجتماعیة ، وهناک فطریون أو بدائیون لهم شعر کثیر مثل الإسکیمو().

     وإذا ترکنا المستشرقین إلى العرب المحدثین والمعاصرین وجدنا أدیب العربیة مصطفى صادق الرافعی یعرض هذه القضیة : قضیة الانتحال فی الشعر الجاهلی عرضاً مفصّلاً فی کتابه : "تاریخ آداب العرب" الذی نشره فی سنة 1911م ، ولکنه لا یتجاوز فی عرضه - غالباً سرد ما لاحظه القدماء .

     وخلف مصطفى صادق الرافعی الدکتور طه حسین فدرس القضیّة دراسة مستفیضة فی کتابه : "الشعر الجاهلی" الذی أحدث به رجّة عنیفة أثارت کثیرین من المحافظین والباحثین فتصدوا للردّ علیه. ولم یلبث أنْ ألّف مصنفه: "فی الأدب الجاهلی" الذی نشره فی سنة 1927م ، وفیه بسط القول فی القضیة بسطاً أکثر سعة وتفصیلاً () .

     ونتیجة بحثه فی هذا الکتاب یلخصها بقوله: "إنّ الکثرة المطلقة ممّا نسمیه أدباً جاهلیّاً لیست من الجاهلیة فی شیء ، وإنما هی منتحلة بعد ظهور الإسلام ، فهی إسلامیة تمثل حیاة المسلمین ومیولهم وأهواءهم أکثر مما تمثّل حیاة الجاهلیین . وأکاد أشک فی أنّ ما بقی من الأدب الجاهلی الصحیح قلیل جدّاً ، لا یمثل شیئاً ولا یدل على شیء ، ولا ینبغی الاعتماد علیه فی استخراج الصورة الأدبیة الصحیحة لهذا العصر الجاهلی"() .

     ومضى طه حسین یبسط الأسباب التی تدفع الباحث إلى الشک فی الأدب الجاهلی واتهامه ، وردّها إلى أنّه لا یصور حیاة الجاهلیین الدینیّة والعقلیة والسیاسیّة والاقتصادیة ، کما أنه لا یصوّر لغتهم وما کان فیها من اختلاف اللهجات ، وتباینها بلهجاتها من اللغة الحمیریة.

     یقول الدکتور شوقی ضیف معقباً: "والحق أنّ الشعر الجاهلی فیه موضوع کثیر ، غیر أنّ ذلک لم یکن غائباً عن القدماء ، فقد عرضوه على نقد شدید ، تناولوا به رواته من جهة، وصیغه وألفاظه من جهة ثانیة. أو بعبارة أخرى عرضوه على نقد داخلی وخارجی دقیق . ومعنى ذلک أنهم أحاطوه بسیاج محکم من التحری والتثبت ، فکان ینبغی أن لا یبالغ المحدثون من أمثال مرجلیوث وطه حسین فی الشک فیه مبالغة تنتهی إلى رفضه ، إنّما نشک حقّاً فیما یشک فیه القدماء ونرفضه ، أما ما وثقوه ورواه أثباتهم من مثل أبی عمرو بن العلاء والمفضل الضبّی والأصمعی وأبی زید فحریٌّ أنْ نقبله ما داموا قد أجمعوا على صحته. ومع ذلک ینبغی أنْ نخضعه للامتحان وأنْ نرفض بعض ما رووه على أسس علمیّة منهجیة لا لمجرّد الظن ، کأنْ یُرْوَى لشاعر شعرٌ لا یتصل بظروفه التاریخیة ، أو تجری فیه أسماء مواضع بعیدة عن موطن قبیلته، أو یضاف إلیه شعر إسلامی النزعة ، ونحو ذلک مما یجعلنا نلمس الوضع لمساً"() .

     ونقول نحن : لو قارنّا بین ما أثاره طه حسین وبعض المستشرقین أمثال مرجلیوث ونولدکه ؛ لوجدنا أنّ هناک تقارباً بل اتفاقاً ملحوظاً ؛ وهذا مما یؤکّد لنا أنّ کلام طه حسین هو کلام هؤلاء المستشرقین إنْ لم یکن قد تشبع به بفضل دراسته على أیدیهم وتتلمذه على کتبهم وأبحاثهم فضلاً عن ترجمته لکلامهم ونقله إلینا بلسانه العربیّ المبین ؟!!

     وخطورة الأمر: أنّ هؤلاء المستشرقین وأذنابهم حین أثاروا هذه القضیّة کانوا یرمون إلى مرمى خبیث ؛ حیث عرفوا مکانة الشعر الجاهلی ، وأدرکوا أنّ علماء المسلمین منذ الصدر الأول للإسلام قد شعروا بحاجتهم إلى الشعر العربیّ ؛ للاستعانة به فی فتح مغالیق الألفاظ والأسالیب الغریبة الموجودة فی القرآن الکریم ، والأحادیث النبویة الشریفة ؛ فأکبوا علیه یروونه ویحفظونه ویدرسون أسالیبه ومعانیه وما یدور فیه من ذکر لأیام العرب ووقائعهم . ولولا هذا الباعث الدینی ؛ لاندثر الشعر الجاهلی، ولم یصل إلینا منه شیء () .

     یقرّر هذه الحقیقة أبو حاتم الرازی ؛ فیقول: "ولولا ما بالناس من حاجة إلى معرفة لغة العرب ، والاستعانة بالشعر على العلم بغریب القرآن ، وأحادیث رسول الله – صلى الله علیه وسلم - ، والصحابة والتابعین ، والأئمة الماضین ؛ لبطل الشعر ، وانقرض ذکر الشعراء ، ولعضَّ الدهر على آثارهم ، ونسی الناس أیامهم" () .

     ویقول ابن عباس - رضی الله عنه - : "إذا سألتمونی عن غریب القرآن ، فالتمسوه فی الشعر ؛ فإن الشعر دیوان العرب" () .

     من هنا ؛ أدرک المستشرقون هذه الحقیقة ؛ فعملوا على رفضه ؛ حتى یغلقوا علینا باباً من أهم الأبواب لفهم کتاب الله المجید !



(1) العصر الجاهلی : للدکتور شوقی ضیف ، ص 164 ، الطبعة الثامنة ـ دار المعارف ، د. ت .

(2) طبقات فحول الشعراء: لابن سلام الجمحی (ت231هـ)، تحقیق محمود محمد شاکر، ص39، ط. دار المعارف، د.ت.

(3) العصر الجاهلی : ص 166 .

(4) المرجع السابق : ص 167 .

(5) نفس المرجع : ص 167 .

(6) المرجع السابق : ص 170 .

(7) فی الأدب الجاهلی : طه حسین ، ص 64 ، الطبعة الرابعة ـ دار المعارف .

(8) العصر الجاهلی : ص 175 .

(9)  فصول فی فقه العربیة: د. رمضان عبد التواب ، ص 111، الطبعة السادسة ـ الخانجی بالقاهرة ، سنة 1420هـ .

(10) کتاب الزینة : لأبی حاتم الرازی ، تحقیق حسین الهمدانی ، 1/160 ، القاهرة 1957 ، 1958م .

(11) الإتقان فی علوم القرآن : لجلال الدین السیوطی ، 1/119، القاهرة سنة 1368هـ .


>