<> کلمة أدب - الادب العربي

الادب العربي

کلمة أدب

تاریخ الأدب العربی العصر الجاهلی
کلمة أدب

1- کلمة أدب
کلمة أدب من الکلمات التی تطور معناها بتطور حیاة الأمة العربیة وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنیة والحضارة. وقد اختلفت علیها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذی یتبادر إلى أذهاننا الیوم، وهو الکلام الإنشائی البلیغ الذی یقصد به إلى التأثیر فی عواطف القراء والسامعین؛ سواء أکان شعرًا أم نثرًا.
وإذا رجعنا إلى العصر الجاهلی ننقب عن الکلمة فیه لم نجدها تجری على ألسنة الشعراء؛ إنما نجد لفظة آدب بمعنى الداعی إلى الطعام؛ فقد جاء على لسان طرفة بن العبد1:
نحن فی المَشْتاةِ ندعو الجَفَلَى لا ترى الآدبَ فینا یَنْتَقِرْ2
ومن ذلک المأدُبة بمعنى الطعام الذی یدعى إلیه الناس. واشتقوا من هذا المعنى أدُبَ یأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إلیها.
ولیس وراء بیت طرفة أبیات أخرى تدل على أن الکلمة انتقلت فی العصر الجاهلی من هذا المعنى الحسی إلى معنى آخر؛ غیر أننا نجدها تستخدم على لسان الرسول صلى الله علیه وسلم فی معنى تهذیبی خلقی؛ ففی الحدیث النبوی: "أدبنی ربی فأحسن تأدیبی"3 ویستخدمها شاعر مخضرم یسمى سهم بن حنظلةالغنوی بنفس المعنى إذ یقول1:لا یمنعُ الناسُ منِّی ما أردتُ ولا أعطیهم ما أرادوا حسن ذَا أَدبا
وربما استُخدمت الکلمة فی العصر الجاهلی بهذا المعنى الخلقی؛ غیر أنه لم تصلنا نصوص تؤید هذا الظن. وذهب"نالینو" إلى أنها استخدمت فی الجاهلیة بمعنى السنّة وسیرة الآباء مفترضًا أنها مقلوب دأب؛ فقد جمع العرب دأبًا على آداب کما جمعوا بئرًا على آبار، ورأیًا على آراء، ثم عادوا فتوهموا أن آدابًا جمع أدب؛ فدارت فی لسانهم کما دارت کلمة دأب بمعنى السنة والسیرة، ودلوا بها على محاسن الأخلاق والشیم2. وهو فرض بعید، وأقرب منه أن تکون الکلمة انتقلت من معنى حسی وهو الدعوة إلى الطعام إلى معنى ذهنی وهو الدعوة إلى المحامد والمکارم؛ شأنها فی ذلک شأن بقیة الکلمات المعنویة التی تستخدم أولًا فی معنى حسی حقیقی، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنی مجازی.
ولا نمضی فی عصر بنی أمیة حتى نجد الکلمة تدور فی المعنى الخلقی التهذیبی، وتضیف إلیه معنى ثانیًا جدیدًا، وهو معنى تعلیمی؛ فقد وجدت طائفة من المعلمین تسمى بالمؤدبین، کانوا یعلمون أولاد الخلفاء ما تطمح إلیه نفوس آبائهم فیهم من معرفة الثقافة العربیة؛ فکانوا یلقنونهم الشعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأیامهم فی الجاهلیة والإسلام، وأتاح هذا الاستخدام الجدید لکلمة الأدب أن تصبح مقابلة لکلمة العلم الذی کان یطلق حینئذ على الشریعة الإسلامیة وما یتصل بها من دراسة الفقه والحدیث النبوی وتفسیر القرآن الکریم.
وإذا انتقلنا إلى العصر العباسی؛ وجدنا المعنیین التهذیبی والتعلیمی یتقابلان فی استخدام الکلمة؛ فقد سمى ابن المقفع رسالتین له تتضمنان ضروبًا من الحکم والنصائح الخلقیة والسیاسیة باسم "الأدب الصغیر" و"الأدب الکبیر". وبنفس هذا المعنى سمى أبو تمام المتوفى سنة 232هـ/846م الباب الثالث من دیوان الحماسة الذی جمع فیه مختارات من طرائف الشعر، باسم باب الأدب. وینطبق هذا المعنى تمام الانطباق على کتاب الأدب الذی عقده البخاری المتوفى سنة 256هـ/870م فی مؤلفه المشهور فی الحدیث، والمعروف باسم الجامع الصحیح کما ینطبق على کتاب الأدب الذی صنفه ابن المعتز المتوفى سنة 296هـ/908م. وفی هذه الأزمنة أی فی القرنین الثانی والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون کانت الکلمة تطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وأخذوا یؤلفون بهذا المعنى کتبًا سموها کتب أدب مثل "البیان والتبیین للجاحظ" المتوفى سنة 255هـ وهو یجمع ألوانًا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدیة وبلاغیة کثیرة. ومثله کتاب "الکامل فی اللغة والأدب للمبرد" المتوفى سنة 285هـ، وقد وجه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد کما صنع الجاحظ، وقدم فیه صورًا من الرسائل النثریة التی ارتقت صناعتها فی تلک العصور، جاء فی مقدمته: "هذا کتاب ألفناه یجمع ضروبًا من الآداب ما بین کلام منثور وشعر مرصوف ومثل سائر وموعظة بالغة واختیار من خطبة شریفة ورسالة بلیغة". ومما ألف فی الأدب بهذا المعنى کتاب "عیون الأخبار" لابن قتیبة المتوفى سنة 276هـ و"العقد الفرید" لابن عبد ربه المتوفى سنة 328هـ و"زهر الآداب" للحصری المتوفى سنة 453هـ.

ولم تقف الکلمة عند هذا المعنى التعلیمی الخاص بصناعتی النظم والنثر وما یتصل بهما من الملح والنوادر؛ فقد اتسعت أحیانًا لتشمل کل المعارف غیر الدینیة التی ترقى بالإنسان من جانبیه الاجتماعی والثقافی؛ فقد جاء على لسان الحسن ابن سهل المتوفى سنة 236هـ: "الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانیة1، وثلاثة أنوشروانیة2، وثلاثة عربیة، وواحدة أربت علیهن؛ فأما الشهرجانیة فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانیة؛ فالطب والهندسة والفروسیة، وأما العربیة فالشعر والنسب وأیام الناس، وأما الواحدة التی أربت علیهن فمقطعات الحدیث والسمر وما یتلقاه الناس بینهم فی المجالس"3. وبهذا المعنى الواسع نجدها عند إخوان الصفا فی القرن الرابع للهجرة؛ فقد دلوا بها فی رسائلهم إلى جانب علوم اللغة والبیان والتاریخ والأخبار على علوم السحر والکیمیاء والحساب والمعاملات والتجارات1. ولا نصل إلى ابن خلدون المتوفى سنة 808هـ حتى نجدها تطلق على جمیع المعارف دینیة وغیر دینیة؛ فهی تشمل جمیع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال: "الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من کل علم بطرف"2.
ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الکلمة تدل -فیما تدل علیه- على السنن التی ینبغی أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألَّفت بهذا المعنى کتب کثیرة مثل أدب الکاتب لابن قتیبة وأدب الندیم لکشاجم المتوفى حوالی سنة 350هـ. وتوالت کتب مختلفة فی أدب القاضی وأدب الوزیر وأخرى فی أدب الحدیث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غیر ذلک. على أن أکثر ما کانت تدل علیه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.
وأخذت الکلمة منذ أواسط القرن الماضی تدل على معنیین: معنى یقابل معنى کلمة Litterature الفرنسیة التی یطلقها الفرنسیون على کل ما یکتب فی اللغة مهما یکن موضوعه ومهما یکن أسلوبه؛ سواء أکان علمًا أم فلسفة أم أدبًا خالصًا؛ فکل ما ینتجه العقل والشعور یسمى أدبًا. ومعى خاص هو الأدب الخالص الذی لا یراد به إلى مجرد التعبیر عن معنى من المعانی، بل یراد به أیضًا أن یکون جمیلًا بحیث یؤثر فی عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف فی صناعتی الشعر وفنون النثر الأدبیة مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحیات والمقامات.


>