<> مدرسة أبولو وأثرها فی الشعر العربی الحدیث - الادب العربي

الادب العربي

مدرسة أبولو وأثرها فی الشعر العربی الحدیث

مدرسة أبولو وأثرها فی الشعر العربی الحدیث

 

شهد الثلث الأول من القرن العشرین میلاد حرکات أدبیة جدیدة فی بعض البلاد العربیة، وفی المهجر الأمریکی هدفت إلى الارتقاء بمستوى الأدب العربی. ولاسیما الشعر، وتخلیصه من قیود الصنعة والتقلید والمحاکاة التی ارتکس فیها طوال القرون الوسطى، وتوجیهه للتعبیر عن مشاهد الطبیعة، وصور الحیاة، والعواطف الإنسانیة فی لغة جمیلة، وتعبیر حی مؤثر، یزخر بالخیال البدیع والصور الأدبیة المبتکرة.

وسلکت فی تحقیق ذلک طریقین:

1 ـ دراسة الآثار الأدبیة والنقدیة العربیة القدیمة فی عصور الابتکار والتجدید، واستخلاص القیم الشعوریة والجمالیة والتعبیریة.

2 ـ ترجمة الآثار الأدبیة والنقدیة المتمیزة من اللغات الأخرى، ودراستها، وتوظیفها فی ابتکار نظریات أدبیة ونقدیة تزود مسیرة الحیاة الأدبیة بالصالح المفید.

وقد لاحت فی سماء هذه الحرکات الأدبیة المجددة معارک نقدیة عکست کثیراً من الآراء والاتجاهات، وأسهمت فی دفع عجلة الأدب إلى الأمام، وزودته بمقاییس جدیدة، وأصبح ینظر إلى الأثر الأدبی من حیث قدرته على التأثیر والإیحاء، وترجمته للمشاعر والانفعالات الإنسانیة.

ومن هذه الحرکات جمعیة أبولو أو مدرسة أبولو التی أتت بعد مدرسة الدیوان التی أنشأها العقاد والمازنی وشکری بأکثر من عشر سنوات.

والفضل فی إنشاء هذه الجمعیة أو المدرسة یعود إلى الشاعر الأدیب أحمد زکی أبی شادی (1892 ـ 1955م) الذی لم تصرفه اهتماماته العلمیة عن الأدب، والتفکیر فی إنشاء مدرسة تحتضنه وتهتم به.

وقد أعلن أبو شادی میلادها فی القاهرة فی شهر سبتمبر عام 1932م، وصدرت عنها مجلة تحمل اسمها، وتنشر أدبها، وتذیع أفکارها وآراءها، هی مجلة (أبولو).

وفی افتتاحیة العدد الأول من أعدادها کتب أبو شادی یقول: "نظراً للمنزلة الخاصة التی یحتلها الشعر بین فنون الأدب، ولما أصابه، وأصاب رجاله من سوء الحال، بینما الشعر من أجل مظاهر الفن لم نتردد فی أن نخصه بهذه المجلة، التی هی الأولى من نوعها فی العالم العربی، کما لم نتوان فی تأسیس هیئة مستقلة لخدمته، هی جمعیة أبولو، حبا فی إحلاله مکانته السابقة الرفیعة، وتحقیقا للتآخی والتعاون المنشود بین الشعراء، وقد خلصت هذه المجلة من الحزبیة، وتفتحت أبوابها لکل نصیر لمبادئها التعاونیة الإصلاحیة...".

وتضمن العدد الأول دستور الجمعیة ونظامها وأغراضها، ویهمنا هنا ذکر الأغراض التی تمثلت فی ثلاثة أمور:

1 ـ السمو بالشعر العربی وتوجیه جهود الشعراء توجیها شریفاً.

2 ـ ترقیة مستوى الشعراء أدبیاً واجتماعیاً ومادیاً، والدفاع عن صوالحهم (مصالحهم) وکرامتهم.

3 ـ مناصرة النهضات الفنیة فی عالم الشعر.

وحیا شوقی الجمعیة والمجلة بقوله:

أبولُّلو، مَرْحباً بِکِ یا أبولو

فإنکِ من عُکاظِ الشِّعرِ ظِلُّ

عُکاظُ، وأنتِ للبلغاءِ سُوقٌ

على جنباتِها رحلوا وحَلُّوا

عَسى تأتینَنَا بمعلقاتٍ

نروحُ على القدیمِ بها نُدِلُّ

لعلّ مواهباً خِفیتْ وضاعَتْ

تُذاعُ على یَدَیْکِ وتُسْتغَلُّ

وأسندت الجمعیة ریاستها إلى أحمد شوقی اعترافاً بأستاذیته وریادته فی دنیا الشعر، وعقدت أول اجتماع لها فی منزله ( کرمة ابن هانئ ) یوم الاثنین 10/10/1932م، قبل وفاته بأربعة أیام فقط، وأخذت صورة تذکاریة للمجتمعین بدا فیها شوقی یتوسط الحضور.

وتولى ریاستها بعد شوقی خلیل مطران (1871 ـ 1949م) الذی لقب بشاعر القطرین، ثم بشاعر الأقطار العربیة واستقطبت الجمعیة عدداً کبیراً من الأدباء والشعراء فی مصر وغیرها، أذکر منهم مصطفى صادق الرافعی، وأحمد محرم، وإبراهیم ناجی، وعلی محمود طه (شاعر الجندول) وکامل کیلانی، وأحمد ضیف، وأحمد الشایب، ومحمود أبو الوفاء، وحسن کامل الصیرفی، وصالح جودت.

وکانت جلساتها حافلة بالمناقشات الأدبیة والنقدیة الرامیة إلى البحث فی أنجع السبل لتطویر الأدب، ولاسیما الشعر، باعتباره أداة فنیة تعبر عن روح الفرد والجماعة.

وأصبحت مجلتها ملتقى لإنتاج کثیر من الشعراء والکتاب والنقاد فی مصر وخارجها، فنشرت لشوقی، ومطران، ومحرم، والعقاد، والرافعی وزکی مبارک، ومحمد الأسمر، وإبراهیم ناجی، وعبدالحمید الدیب، وسید قطب، ومحمد عبدالمعطی الهمشری، ومحمود غنیم، وأبی القاسم الشابی، ومحمد مهدی الجواهری، والتیجانی یوسف بشیر، وإیلیا أبی ماضی، وإلیاس أبی شبکة، وآل المعلوف. واستمرت المجلة فی الصدور حتى شهر دیسمبر عام 1934م.

وعلى الرغم من أن عمرها لم یتجاوز سنتین وبضعة أشهر فإنها أثرت فی الأدب العربی الحدیث تأثیراً کبیراً، تمثل فی القصائد والدراسات الأدبیة والنقدیة التی تولت نشرها، ذکر أنها نشرت أکثر من سبعمائة قصیدة، وأربعمائة دراسة تحلیلیة ونقدیة، بالإضافة إلى تخصیص عددین لإحیاء ذکرى شوقی وحافظ.

واحتضنت الجمعیة إصدار عدد من دواوین أعضائها وکتبهم منها دواوین: الینبوع، وأطیاف الربیع، وفوق العباب لأحمد زکی أبی شادی، ودیوان الغمام لإبراهیم ناجی، والألحان الضائعة لحسن کامل الصیرفی، وکتاب أدب الطبیعة لمصطفى عبداللطیف السحرتی.

ویتضح من أعضاء الجمعیة ومن کتاب المجلة وشعرائها أنّ الجمعیة لا تفرق فی قبول عضویتها والانتساب إلیها بین المقلد والمحافظ والمجدد، ومن یقف وسطاً بین التقلید والتجدید.

ولذلک أنکر بعض الدارسین أن یطلق علیها مدرسة; لأنها تضم أدباء وشعراء لا یخضعون لتیار أدبی واحد، وأصروا على تسمیتها بالجماعة أو الجمعیة، کما نلاحظ عند الدکتور عبدالعزیز الدسوقی فی کتابه (جماعة أبولو وأثرها فی الشعر الحدیث). وأرى أن إطلاق المدرسة علیها جائز إذا نظرنا إلى أثرها فی تطویر القصیدة الشعریة والتجدید فی بنائها الفنی والداخلی، واحتضانها لمواهب الشعراء الشباب وتنمیتها، والاتجاه إلى تشجیعهم بنشر إنتاجهم، ووضع أهداف محددة سارت على نهجها.

ومما ینبغی أن یشار إلیه أن العقاد لم یکن على وفاق مع مدرسة أبولو، وحینما کتب ما کتب فی عدد المجلة الأول لم یکن مشیدا ولا مادحاً، بل کان مفنداً ناقداً.

انتقد تسمیة الجمعیة بهذا الاسم الیونانی (أبولو)، واقترح اسم (عطارد) بدیلاً عنه.

کتب یقول: "مساهمتی فی تحریر العدد الأول من مجلة أبولو ستکون نقداً لهذه التسمیة التی لنا مندوحة عنها فیما أعتقد، فقد عرف العرب والکلدانیون من قبلهم، رباً للفنون والآداب أسموه عطارد، وجعلوا له یوماً من أیام الأسبوع وهو یوم الأربعاء ، فلو أن المجلة سمیت باسمه لکان ذلک أولى من جهات کثیرة، منها أن أبولو عند الیونان غیر مقصور على رعایة الشعر والأدب، بل فیه نصیب لرعایة الماشیة والزراعة، ومنها أن التسمیة الشرقیة مألوفة فی آدابنا ومنسوبة إلینا.. وکذلک أرى أن المجلة التی ترصد لنشر الأدب العربی والشعر العربی لا ینبغی أن یکون اسمها شاهداً على خلو المأثورات العربیة من اسم صالح لمثل هذه المجلة، وأرجو أن یکون تغییر هذا الاسم فی قدرة حضرات المشارکین فی تحریرها".

ورد علیه أحمد زکی أبو شادی، وذکر أن الجمعیة استعرضت عدة أسماء للمجلة قبل اختیار اسم أبولو، ولم تنظر إلیه کاسم أجنبی، بل کاسم عالمی محبوب، وأنه لا انتقاص للمأثورات العربیة، وأن النقل عن الکلدانیین لیس أفضل من النقل عند الإغریق.

ولکن العقاد لم یقتنع بما قاله أبو شادی، أو أنه أراد ألا یقتنع; لأن الجمعیة تضم أدباء وشعراء لا یرتاح إلیهم العقاد، وفی مقدمتهم رئیسها شوقی، فوقف منها هذا الموقف الذی تحول فیما بعد إلى سجال نقدی بینه وبین بعض الأدباء المنتسبین إلى الجمعیة، کرمزی مفتاح طبیب الأسنان الذی جمع مقالاته النقدیة فی العقاد وأصدرها فی کتابه (رسائل النقد.

وإذا تجاوزنا هذا الأمر، ونظرنا إلى الأسس الفنیة والأدبیة التی قامت علیها المدرسة أو الجمعیة فسنجد أنها دعت إلى الأعمال الأدبیة الصادقة التی تعبر عن التجارب الشعوریة فی صور موحیة، وإلى الوحدة العضویة فی القصیدة، وإلى الیسر فی التعبیر والأفکار والأخیلة، والتحرر من القوالب والصیغ المحفوظة، والابتعاد عن التکلف والافتعال، والتغنی بالطبیعة والریف الساحر، وظهور الشخصیة الأدبیة.

وقد لاقت دعوتها قبولاً فی أوساط الشعراء الذین انتسبوا إلیها وعاشوا فی ظلها، وتابعوا إنتاجها وبخاصة عند کوکبة من الشعراء المتمیزین کأبی شادی، وأبی القاسم الشابی، وإبراهیم ناجی، وحسن کامل الصیرفی، وإیلیا أبی ماضی. وانفرط عقد المدرسة برحیل رائدها الأول أبی شادی إلى المهاجر الأمریکی عام 1946م، بعد أن ضاقت به سبل الحیاة والعیش فی مصر، وأوذی من بعض المنتسبین إلى الأدب.

وأنشأ الشاعر الطبیب إبراهیم ناجی على أنقاض مدرسة أبولو (رابطة الأدباء)، واستمرت حتى وفاته عام 1953م، ثم غیر اسمها إلى رابطة الأدب الحدیث، وأسندت ریاستها إلى الناقد مصطفى عبداللطیف السحرتی (1320 ـ 1403هـ = 1902 ـ 1983م)، حتى وفاته، ثم تسلم الرایة من بعده الأستاذ الدکتور العلامة محمد عبدالمنعم خفاجی، ولا یزال حتى إعداد هذا الکتاب للنشر مشرفاً علیها، حفیّا بها.

 

المصادر:

1 ـ مدرسة أبولو الشعریة ـ رابطة الأدب الحدیث.

2 ـ جماعة أبولو وأثرها فی الشعر الحدیث ـ عبدالعزیز الدسوقی.

3 ـ دراسات فی الأدب العربی الحدیث ومدارسه ـ محمد عبدالمنعم خفاجی.

4 ـ قضایا الشعر المعاصر ـ أحمد زکی أبو شادی.

 

 

 


>